انعدام الثقة في المجتمع كمعيق للتحول الديمقراطي

يعيش الأفراد في مجتمعات دول العالم النامي في ظل أنظمة استبدادية في غالبيتها. ومن مزايا الأنظمة الاستبدادية أنها قائمة على انعدام الثقة في الأفراد. فالعلاقة بين الدولة كمؤسسات والأفراد كمواطنين دائمًا في حدها الأدنى، إن لم تكن معدومة. وآلية عدم الثقة هي التي تشكل درع الحماية للأنظمة الاستبدادية للبقاء في السلطة. فعدم الثقة، وبالتالي الإقصاء من المشاركة السياسية، والتخوين لاحقًا، هم ما يشكل حصانة الأنظمة الاستبدادية للبقاء في السلطة. ولكن السؤال، ما مصدر الثقة بين الأفراد والمؤسسات وبين الأفراد في المجتمع؟ وما علاقتها بتشكيل الهوية والانتماء للجماعة؟ وما صيرورات تحول الهوية؟ وكيف تتحول الهوية في زمن الحروب؟ وما العلاقة بين تحول الهوية وانعدام الثقة؟

عاش الجنس البشري في ظروف مختلفة، وأحيانًا غير عادلة. وللحماية في الظروف البدائية طور مختلف أنواع الهويات والانتماءات. تكبر وتصغر الانتماءات، وتمتد وتتشكل من أفكار وعقائد. الغاية القصوى من هذه الانتماءات هي حماية الفرد لنفسه من خلال تنازله عن جزء من حريته للجماعة مقابل حمايته وعده فردًا من هذه الجماعة. أخذت هذه الانتماءات هذه أشكالًا مختلفة، وما زال غالبها ساريًا في مناطق مختلفة من أنحاء العالم. منها الهويات القبلية، الدينية، الطائفية، والعرقية. وتقوم فكرة الهوية على تحديد عامل مشترك بين مجموعة على أنه العامل الحاسم. وبناء على ذلك تقصى كافة الانتماءات الأخرى ويجري  التعامل معها على أنها مصدر تهديد.

والأمثلة على كل واحدة أكثر من أن تحصى. إلا أن تطور مفهوم الدولة في الأربعمائة سنة الأخيرة غير في مفهوم الهوية. هذا التغير نقل الانتماء من الجماعة إلى الدولة ومؤسساتها. فانتقل ولاء الفرد من الجماعة الصغيرة إلى مستوى أكثر تقدمًا. حسب مفهوم العقد الاجتماعي عند جان جاك روسو. وكان المقابل أن الدولة ستؤمن الحماية والخدمات للأفراد. بالإضافة لمشاركتهم في العملية السياسية من خلال الانتخابات. ومن هذا المبدأ انطلقت الثورة الأمريكية على البريطانيين عندما فرض البريطانيون ضريبة على الشاي. فكان الشعار الذي تظاهر الأمريكيون حينها من أجله لا ضرائب دون تمثيل نيابي. «No taxation without Representation».

إلا أن خط التاريخ لم يسر بالطريقة ذاتها في مناطق أخرى من دول العالم. وولادة الدول في دول العالم النامي كانت قيصرية أكثر منها طبيعية. ولم يكن مسار التطور طبيعي لفكرة ومفهوم الدولة والمؤسسات. وعليه فإن ولادة الدولة كانت أشبه ما تكون بإضفاء الشرعية الدولية على من هو موجود في السلطة أيًّا يكن. وعندما كانت دول العالم النامي تضم أكثر من مكون هوياتي. فإن الجماعة الموجودين في السلطة نظروا إلى أنفسهم على أن الدولة والمؤسسات هي امتداد لهم كجماعة. وبالتالي جرى إقصاء الجماعات الأخرى. وفي غالبية الحالات فإن الدول الاستعمارية هي من عاملت مجموعة ما على أنها امتداد لها. وعلى أنها جماعتها الحاكمة، وعندما خرج الانتداب بقيت الجماعة ممسكة بزمام الحكم، وحرمت الجماعات الأخرى من فرصة المشاركة في السلطة. كسلوك مطابق لما كانت تتعامل به مع الجماعات الأخرى عندما كانت قبائل أو أي شكل من أشكال الهوية ما قبل الوطنية. في حين أن الاتحاد السوفيتي أحد أقطاب الحرب الباردة لم يكن أقل إقصاءً من أنظمة دول العالم النامي.

وإذا كانت الدول النامية تجري تمثيليات ديمقراطية لاستدرار الشرعية من النظام الدولي؛ فإن الاتحاد السوفيتي كان نظام حزب واحد مطلق. في سلوك لا يختلف عن أي سلوك لجماعة دينية متطرفة لا تقبل إلا بشرعية عقيدة الجماعة. وهو ما يمثل انزياحًا للانتماء الديني البدائي الأرثوذكسي الروسي إلى انتماء فلسفي وضعي، ولكن بالدرجة ذاتها من البدائية والإقصاء للآخر.

والمشكلة الأكبر أنه بنى آلة قمع ضخمة بعقيدة راسخة أساسها الشك في الأفراد. ومنه تأتي مقولة إن الفرد متهم حتى تثبت براءته. ونُسخت هذه الماكينة الضخمة في كل دول العالم النامي التي كانت تدور في فلكه.وللأمانة التاريخية إن الطرف الأمريكي ديمقراطي في الداخل. إلا أنه ولضمان عدم تحول الأنظمة السياسية إلى الضفة الأخرى من الحرب الباردة لم يكن أقل سوءًا في ترسيخ أنظمة قمعية. وبالتالي ورث العالم ما بعد الحرب الباردة أنظمة سياسية غالبيتها تقوم على الإقصاء السياسي. وهويات ما قبل وطنية. وهو ما ورثّ انعدام الثقة بين مكونات المجتمع. فالمجموعة الممسكة بمقاليد السلطة ترى الذين لم تسمح لهم بالمشاركة في السلطة مصدر تهديد لها.

ويرى الأفراد الذين لا ينتمون لجماعة السلطة أن السلطة سلبتهم ما هو حق لهم. ولكي تحمي السلطة بقاءها تتفنن في بناء نظام التعقب والمراقبة. لتثبيت التهم، وابتزاز من يعتقد أنه أذكى من أن يُلقى القبض عليه بجريمة خيانة السلطة، كما نرى في الفلم الألماني «the life of others» . التي تأخذ في الغالب تسميات وطنية في تعميق لتماهي الجماعة الحاكمة مع الهوية الوطنية، أو على الأقل في تصورها. ولكن ما امتداد ذلك على المجتمع؟

في مجتمع يكبر أفراده على الشك في الآخر حسب المقولة السورية «الحيطان لها آذن». يكاد يكون شبه مستحيل على من تغذى طوال حياته على الشك في الآخر أن يثق في الآخرين. ومن شرب ماء فكرة الجماعة الحاكمة أن يعامل الآخرين على أنهم محل ثقة؛ فهم في نظره أقل من أن يكونوا جزءًا من الجماعة الحاكمة. مع ملاحظة أن تحول وإعادة تشكيل الجماعة الحاكمة بآلية التفكير المطلقة الإقصائية ليس بالضرورة أن يأخذ شكلًا عقائديًّا دائمًا. بل يمكن أن يأخذ شكلًا مدنيًّا أيضًا، ولهذا مقال آخر.

تتدهور الثقة أكثر في فترات الصراعات المسلحة. إذ إن المجتمع الذي لم يعرف معنى الثقة أساسًا يجد نفسه وجهًا لوجه أمام آخر لم يتعود أن يكون موجودًا. وهو ليس جزءًا من أي جماعة حتى يستطيع أن يتعامل معه. والسبب أن الأفراد لم يروا في حياتهم أشخاصًا خارج إطار الجماعات ما قبل وطنية. وهو ليس لديه دليل تعليمات للتعامل معهم. إذ إن هذا النموذج ليس موجودًا في إطار الجماعات الهوياتية التي تعودت على التعامل معها. مما يبرز وجهة نظر الأنظمة السياسية التي تعلموا منها عدم الثقة في الآخر غير المطابق في الهوية، ولا يمكن الثقة به إلا من خلال تقديمه طقوس الولاء المطلق، هو خطر داهم يجب الحذر منه. وعندما كان هو خطرًا غير محل ثقة من قبل الجماعة؛ فإن كل الآليات التي مارستها الأنظمة السياسية تجاه من لم تسمح لهم بمشاركتها السلطة ستنطبق عليه. فهو مذنب حتى يثبت براءته، وللتأكد من إجرامه فإن كل وسائل اختراق الخصوصية مسموحة. فهو خطر على أمن الجماعة، ويجب أن يبقى تحت المراقبة حتى يُلقى القبض عليه متلبسًا. ولا يمكن له أن يحصل على صك ثقة. فصكوك الثقة حكر على من يقدم الولاء المطلق. ولا يمكن لأي عمل مهما كان تنازلاً كبيرًا أن يسمح للفرد بالانتماء للجماعة.

بمعنى آخر، أنتجت الأنظمة الاستبدادية آلية التفكير الأمنية ونسختها على المجتمع. وبالتالي أصبح نظام التشغيل «بالمعنى التكنولوجي» لدى الأفراد ذا مكونات واضحة. وآليات مجربة ضد من تعتقد جماعة السلطة أنه يشكل خطرًا على سيطرتها المطلقة على السلطة.

هنا يأتي السؤال، هل يمكن لمجتمع كهذا بناء نظام ديمقراطي حقيقي. وليس إعادة نسخ النظام الإقصائي القديم بكل آلياته مع تبديل المسميات. وبدواعٍ مختلفة يمكن إقصاء من لا ينتمي لعصابة السلطة الجديدة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك دول أوروبا الشرقية التي لم تنجح غالبيتها حتى الآن في تحقيق تقدم اقتصادي، بالرغم من مرور 30 سنة على انهيار جدار برلين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد