في إحدى البيوت العتيقة يصدح «ميلي ميلي يا شجرة السريس، ميلي ميلي يا حاملة السريس».. تتمايل النسوة والفتيات اللواتي يتزين بأثوابٍ مُطرزةٍ بألوانها البهية: أزرق، أصفر، وأخضر، وعروسٌ تجلسُ بينهن في ثوبٍ خيوطه حمراء.

تردد كل الحاضرات (أويها) في السكوت المؤقت لتلك العجوز التي تقول (المهاهاة)، وعند النهاية يُطلقن زغاريِدهن كحمامٍ مُهاجر عله يصل بلادًا أخرى، ويلقى المُحب، ثم بعد ذلك يقمن ليرقصن على (ياسمين الشام) ملوحات يمينًا ويسارًا، بينما امرأة تدور عليهن؛ تنقشُ على أيديهن الناعمات الحناء، وأخرى تدور بينهن تصبُ لهن القهوة المُهيلة تدعو للمتزوجات بالعوض أو بالستر.

محمد العريس يركبُ جوادًا أبيض، أتى به والده من بيتهم إلى بيت عروسه مشيًا على الأقدام، يتبعه بعض أصدقائه، يرددون شيئًا من أغاني الزفة بعد أن غنوا له (احلق يا حلاق) و(طلع الزين من الحمام) وبعضهم يرقصُ الدبكة. كل نسوة المدينة وفتياتها يُدلين برؤوسهن من الطاقات (النوافذ الصغيرة) إحداهن ترمي الحلوى والأخريات يتوشحن بالبراقع.

مد يده (العريس) ليأخذ عروسه إلى قفصهما (البيت الزوجي)؛ لتبدأُ حياتهما بـ(العجينة) التي ضربتها العروس بكل ما أوتيت من قوة على حائط الباب الخارجي للبيت، وذلك لكي يبقى العريس عالقًا بها، فلا يفرقهما إلا الملك (ملك الموت) الذي سيقبض روح أحدهما قبل الآخر (خُرافة).

كان عرسًا بسيطًا، لم يكن كمثل الأعراس التي شاهدتها من قبل على مر العُمر؛ إذ إن النسوة لم يكن ينافسن على لقب صاحبة الفستان (الأكثر عُريًا) أو (الأكثر مردودًا) حتى أني لم أرَ شيئًا من البذخ؛ إذ إنه لمراسم الزواج عند كل شعب عادات وتقاليد تختلف طبقًا للبعد الجغرافي والموروث الحضاري والثقافي.

أعظم النكاح بركةً أيسره مؤنة

اتصلت بي صديقتي لتخبرني أنها ستتوجه في صبيحة الغد إلى المحكمة الشرعية لفض عقد الزواج بينها وبين الذي زوجته نفسها بحب وذلك بسبب فستان الزفاف؛ حيث رفضت التنازل عن الفستان باهظ الثمن الذي لربما يكون صاحب المحل قد خدعها بأنه قد أتى به للتو من إحدى الدول الأوروبية.. في الحقيقة تعجبت، ما الذي يدفع فتاة تجاوزت الرابعة والعشرين – أي من المفترض أن تكون قد اكتسبت الكثير من الوعي – لمثل هذا الفراق؟ وقد كان الوقت المتبقي على ليلة الزفاف لا يتعدى الخمسة عشر يومًا! الذي دفعها لذلك، عُرفنا الأحمق في التباهي.

الزواج شرعة الله، أقدس الروابط المُنزلة على الإنسان التي تقوم على أركان لعماد الأسرة القويم التي هي أساس المجتمع، الرضا والاختيار المُشترك، وسيلة لاستمرار الحياة وتعمير الأرض، طريق لكسب الحسنات، سبيل للتعاون وتدبير شؤون الحياة، تقوية الصلات والمعارف من خلال المصاهرة واتساع دائرة الأقارب، إكمال نصف الدين، حفظ النفس من النزوات والهوى كالتكاثر (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم).

نزل الإنسان بهذه الرابطة إلى (قاع) القُدسية عندما جعلها مناسبة للتفاخر والبذخ تحت سطوة تلك العادات والتقاليد العمياء التي لا‌ تمت بصلة قرابة للعقيدة، لا‌ دينيًا، ولا‌ إنسانيًا، ولا‌ أخلا‌قيًا، والتي تفرض مهورًا وتكاليف باهظة، وتتّبع مراسم أعراس بتكاليف مُفزعة، من شأنها تعكير عملية الزواج، وقد تأصلت هذه العادات منذ زمن على نحو تدرُّجي، ولم تكن وليدة ليلةٍ وضحاها.

 بدأ البذخ العُرسي في العصر العباسي وذلك في زواج المأمون على بوران بنت الحسن بن سهل.. يقال إن المأمون أعطاها مهرها ألف حصاة من الياقوت، وأوقد شموع العنبر في كل واحدة، وبسط لها فرشًا كان الحصير منها منسوجًا بالذهب مكللًا بالدُر والياقوت، كما نثر عليها أبوها يومئذ وعلى الناس بنادق المسك، ومكتوب في ورقة وسط كل بندقة اسم قرية أو ملك جارية أو غلام أو فرس، ونثر على عامة الناس الدنانير ونوافج المسك وبيض العنبر.

وحتى يومنا هذا كل من ينوي الزواج يبدأ في التفكير في أن يكون حفله أفضل من حفل فلان، قاعة الحفل أفخم من الذي تزوج فيه علان، تفكر الفتيات والنسوة في أن يكون لباسها وزينتها أجمل مما ظهرت به صديقتها أو جارتها، ولربما أكثر عُريًا، فستان الحنا، فستان الزفاف، فستان الأسبوع وفستان الأربعين، ليلة أم العريس، ليلة أم العروس، حفل الدحية، حفل الأغاني الشعبية والعشاء الفاخر.

يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا ولباس التقوي ذلك خير

تتسارعُ الفتيات والنسوة إلى العُري في المناسبات والحفلات، على الرغم من أن مثل هذه الحفلات ليس ممر عبور لذلك، ليست صك غفران، فجسد المرأة حتى على المرأة عورة، البعض يجهلهن بتصور مفهوم العورة، وذلك لزعمهن بأن كشفها عيب لا حرام، وبعضهن يدعي أن العورة مجازية معنوية، لا حسية مرئية، كالأنموذج الغربي للمرأة العصرية.

حتى تفسير قول عورة المرأة على المرأة، كعورة الرجل على الرجل، أي ما بين السرة والركبة، رُبط بمفهوم الضرورات تبيح المحظورات لكن ثقافتها بأهمية جمالها في الإثارة جعلها تُقدم نفسها كسلعةٍ متنازلة بذلك عن جوهرها الإنساني وهو العقل وعن جوهرها الأخلاقي والديني.

لماذا؟ وكيف؟ أين الجمال؟ ولماذا لا يعترين الملكات في أعراسهن؟ قد ذكر سبحانه وتعالى لباس الثياب، وكنّى عنه بالريش، وذلك لما للطائر من جمال حين ينطلق بريشه محلقًا في الفضاء أو مستقرًا على الشجر أو ماشيًا على الأرض، وما أتعسه من طيرٍ فقد ريشه!

في الحقيقة إني لست داعية دينية، إلا أني أبغضُ كل ما تقام عليه مراسم العُرس من بذخِ وعُري، أبغضُ العبء الذي سيقع على كاهل الشاب، أو وأهله من تكاليف، أبغضُ الجهل الذي جعل من الإنسان الذي خُلق ليعبد ويعمر في الأرض إنسانًا يتبع هواه، يترك خطى نبيه عليه – صلوات الله وسلامه عليه – ويفسد قدسية المودة بما لا يسمنُ ولا يغني من جوع، يغضب الله لمرضاة الناس الذين لا يرضون لو أضأت لهم أصابعك العشرة.

يا أيها الناس! الزاوج سُنة حياة أنزلت رحمة ومودة، لذا أعلنوا زواجكم بحفلٍ صغير تبعًا لسنة رسول الله عليه صلوات الله وسلامه في نشر السرور والفرح أو في عمرةٍ أو تزكوا بأموالكم، وذلك خيرٌ لكم وأبقى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد