• مشروع إنشاء الدولة 

في القرن التاسع عشر الميلادي أسس الصحفي اليهودي النمساوي ثيودور هرتزل الحركة الصهيونية باعتبارها حركة قومية تهدف لإنشاء وطن قومي ليهود العالم في الشرق الأوسط وبالتحديد في فلسطين- أرض الميعاد بالنسبة لليهود والأرض المقدسة في جميع الديانات السماوية، لكن هذه الفكرة ليست بالفكرة الهينة ففسلطين يسكنها شعب عمّر فيها منذ الأزل ويتشارك دينًا وعرقًا مع شعوب الأقاليم المحيطة به، لهذا فمشروع الحركة هو فعليًا يتمثل في استبدال شعب بتاريخه وحضارته وهويته الإثنية العربية والدينية المسلمة والمسيحية بأخرى للفيف أفراد من شتات الأرض لا يجمعهم سوى الدين. أدرك الصهاينة أن العرب لن يقبلوا بمشروعهم وأنهم ليفرضوا أنفسهم يحتاجون لحام أو راع يتبنى مشروعهم يستيعنوا بسلطته لأخذ أرض الفلسطينيين ويحتمون به من المحيط العربي – العدو المستقبلي لدولتهم.

استفادت الحركة الصهيونية من النفوذ القوي لأبناء الجالية اليهودية في الدول الأوروبية للترويج لمشروعها وكسب دعم الحكومات الأوروبية له، إلا أن الاختراق الأكبر حدث بعد وصول المتحمسين لمشروع الصهيونية لمناصب عليا في الحكومة البريطانية؛ ففي سنة 1917 أصدر اللورد البريطاني آرثر بلفور مع آخرين وعدًا لليهود بدعمهم لإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين، وبهذا أصبحت المملكة المتحدة الراعي الرسمي للحركة الصهيونية والداعم الرئيس لها.

• بريطانيا وتأسيس الدولة 

خلق الاحتلال البريطاني أزمات في كل الدول التي احتلها ومنها الأزمة الفلسطينية، فبعد تمكن الإنجليز من احتلال فلسطين سنة 1918 وطرد العثمانيين منها، أعلنوا وضعها تحت انتدابهم كما فعلوا في مصر والعراق وبدأت بريطانيا في تنفيذ وعدها للحركة الصهيونية. دعم الإنجليز اليهود للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وإقامة مستوطنات عليها وساعدوهم على الهجرة إلى فلطسين من شتى بقاع الأرض وعملوا على تأهيلهم ليكونوا قادرين على إدارة الدولة التي سيتم تأسيسها بعد انسحاب بريطانيا. عسكريًا وفر الإنجليز الغطاء القانوني لإنشاء تشكيلات عسكرية صهيونية تحمي المستوطنات الصهيونية من هجمات الفلسطينيين وقد تطورت هذا القوات تدريجيًا حتى أصبحت جيشًا نظاميًا شارك في الحرب العالمية الثانية وعُرف باسم جيش الهاجانا وأصبح نواة جيش الدفاع الإسرائيلي فيما بعد، كذلك قمع الإنجليز ثورات الفلسطينين المناهضة للاحتلال الإنجليزي وللتوغل اليهودي في أراضيهم. إعلاميًا شهدت الديمقراطيات الغربية بروبجاندا إعلامية لتبرير الدعم الغربي لليهود في إنشاء وطن لهم في فلسطين واعتمدوا فيها على ثلاثة تبريرات: الأول تصوير فلسطين على أنها أرض قاحلة غير مأهولة جاء اليهود لزراعتها والاعتناء بها، والثانية هي الحديث عن مظلمة اليهود التاريخية بأنهم طردوا من أرضهم فلسطين وإنما هم يستعيدون أرضهم، والثالثة – وهي الأضعف – استخدام المبرر الديني باعتبار سكان فلسطين من المسلمين أو المحمديين -كما كان يطلق عنهم- لكن هذا الطرح اصطدم بحقيقة أن سكان فلسطين لم يكونوا فقط من المسلمين، بل أيضًا من المسيحين واليهود.

• البحث عن حام جديد

استشرفت الحركة الصهيونية سيطرة الأمريكيين على قيادة العالم بعد الحرب العالمية الثانية ولهذا وجهت الحركة قبلتها نحو القوة الصاعدة ففي سنة 1942 أقامت الحركة مؤتمرها السنوي في أمريكا للمرة الأولى بعد أن اعتادت على إقامته في بريطانيا بعد أن بدأ أبناء الجالية اليهودية الترويج لمشروع الحركة في أرواق الحكومة الأمريكية. بعد نهاية الحرب العالمية الثانية أزاحت أمريكا الحليف الجديد للحركة الصهيونية الممكلة المتحدة من مركزها باعتبارها أقوى دولة في العالم لهذا أدارت الحركة ظهرها لبريطانيا الحامي السابق. كان لا بد على الحركة التخلص من النفوذ الإنجليزي عليها، والذي أصبح من وجهة نظرها عائقًا أمام تأسيس الدولة اليهودية. لجأت المليشيات الصهيونية غير النظامية وأحيانًا شاركتها قوات الهاجانا النظامية في شن مجموعة من العمليات العسكرية على القوات الإنجليزية والتي وصفها الإنجليز بالإرهابية، لكنهم مع ذلك لم يتخذوا أي إجراء ضد الصهاينة الذين وصفهم تشرشل على ضوء هذه الأحداث بالصديق القديم.

اضطر الإنجليز تحت الضغط الصهيوني الناعم والخشن للرضوخ لمطالب الصهاينة المتمثلة بالسماح برفع معدلات الهجرة اليهودية لفلسطين والانسحاب منها وتسليمها لهم؛ ففي سنة 1947 حولت بريطانيا القضية لمجلس الأمن الدولي والذي أصدر قرارًا بتقسيم فلسطين وأُعلن على أساسه قيام دولة إسرائيل في مايو سنة 1948. ترك الإنجليز للصهاينة جهاز الدولة الإداري وخلفوا أسلحتهم ووفروا لهم الغطاء لعمليات التهجير التي نفذتها القوات الصهيونية للفلسطينيين. إثر إعلان قيام دولة اسرائيل أعلنت الدول العربية الحرب على الاحتلال لكن الإنجليز – رغم كل ما فعله بهم الصهاينة – جعلوا من هذه الحرب حربًا زائفة انهزم فيها العرب وسيطر على أساسها اليهود على مناطق خارج ما حددها لهم قرار التقسيم واعتبروها هذا التوسع مكسب حرب.

 • أمريكا الحامي الجديد

على مدى 80 سنة اتفق جميع السياسيين الأمريكيين رغم اختلافاتهم على الدعم المطلق غير المشروط لإسرائيل، وفي ظل حالة العداء بين العرب وإسرائيل في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي حمت الولايات المتحدة حليفها عبر نفوذها الدبلوماسي وقوتها العسكرية، وهو ما ضمن لإسرائيل الأمان والتفوق على العرب ومكنها خلال 80 سنة من تحقيق الكثير من المكاسب. ففي حروب 56، 67 و73 تمكنت إسرائيل من إحراز انتصارات على العرب أو النجاة من مآزق سواء بدعم أمريكا العسكري أو باستخدامها نفوذها للضغط على العرب. كان الاختراق الأكبر لأمريكا هو تمكنها من انتزاع اعتراف بعض الدول العربية بدولة الاحتلال وإبرام اتفاقيات سلام معها وهو ما أنهى حقبة طويلة من الحروب بين إسرائيل والحكومات العربية وحصل على إثرها الاحتلال على أمان نسبي. أدخلت السياسة الأمريكية القضية الفلسطينية مرحلة جديدة بالترويج لفكرة تحقيق السلام بين العرب وإسرائيل وإيجاد حل نهائي للصراع في الشرق الأوسط عبر المفاوضات في الوقت الذي وفرت فيه الغطاء والدعم للاحتلال لضم المزيد من الأراضي العربية ولشن الحروب على محيطها.

 • البحث عن حامٍ جديد

يتفق كثيرٌ من المراقبين أن أمريكا دخلت مرحلة السقوط وأن هيمنتها على العالم شارفت على النهاية، وعليه تستوجب هذه التطورات أن يبحث الاحتلال عن قوة جديدة تحمي وجوده وسط أعدائه، لكن التحدي يكمن في إمكانية تحديد هذه القوة ومدى مقدرة الاحتلال على جعلها تلعب الدور البريطاني والأمريكي. يرى الكثير أن الصين هي المرشح الأبرز لخلافة أمريكا باعتبارها أقوى دولة في العالم لكن الصين لا يمكن أن تكون لإسرائيل كأمريكا وبريطانيا نظرًا للاختلافات الإثنية والدينية بين الصين واليهود، والتي تجعل التأثير اليهودي في الدولة الصينية أضعف من إيجاد حالة الدعم غير المشروط الذي وفرته أمريكا وقبلها بريطانيا، فالمجتمع الصيني لم يعرف وجودًا تاريخيًا لليهود، بل وحتى المسيحين، لكن الغاية المتمثلة في تأمين دولة اليهود يمكن أن تتحقق بدون وجود حام بشرط تحويل العدو إلى حام ومتبن لمشروع الصهيونية. تسعى إسرائيل لإلغاء الحاجة لوجود طرف ثالث يحميها من خطر المحيط العربي عبر تحويل هذا المحيط لحام لوجودها ومتبن لمشروعها وليس مجرد حليف تحكم المصالح المجردة أو الضغوط الخارجية علاقته بها فيما تظل عاطفته رافضةً لوجودها.

• سياسة تحويل العدو لحام

مثلت اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل أول خطوة في طريق القضاء على الخطر العربي على الاحتلال الصهيوني حيث كانت حرب أكتوبر 73 آخر حرب شاملة تخوضها الجيوش العربية النظامية ضد جيش الاحتلال وتلا ذلك مجموعة من الاتفاقيات مع الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية. من وجهة نظر هذه الدول، فالاعتراف بإسرائيل برجماتية لتحقيق مكاسب معينة كتحرير سيناء في الحالة المصرية لكن حالة العداء التاريخي بينها وبين الاحتلال ظلت قائمة ومنعكسة في شعور شعوبها تجاه الاحتلال وتصوير إعلامها لإسرائيل، فمثلاً لا يزال التهليل لإسرائيل على إعلام هذه الدول أمرًا شديد الحساسية. مما يعني أن هذه الدول لا يمكن أن تكون ضامنة لوجود الاحتلال بل قد تنقلب عليه وتعود لحروبها معه إذا استقرت أوضاعها وانتهت مصالحها أو زالت الضغوط التي تدفعها للسلام معه، لهذا تسعى إسرائيل لاقامة علاقات مع أنظمة عربية جديدة تكون قائمةً على أساس التحالف بحيث تكون هذه الدول الحامي والضامن للمشروع الصهيوني وتتولى هي نفسها القضاء على أي محاولات قد تهدد وجود دولة إسرائيل.

• الحالة الخليجية والتطبيع 

تمثل الدول الخليجية مقارنةً بباقي الدول العربية الخيار الأمثل لإقامة العلاقة التي تسعى لها إسرائيل نظرًا للخصائص السياسية والاجتماعية والاقتصادية لأنظمة وشعوب هذه الدول. ينعدم التأثير الشعبي على الحياة السياسة في الدول الخليجية باعتبارها دول ملكية غير ديمقراطية تتحكم فيها الأسر الحاكمة بمقاليد السلطة والثروة وهو ما يعطي حكومات هذه الدول كامل الحرية في إدارة شؤونها بما في ذلك الشؤون الخارجية دون الخوف من معارضة شعبية. كذلك تتسم هذه الدول باستثناء السعودية بالهشاشة، ونظرًا لصغر مساحة وعدد سكان هذه الدول مما يجعلها غير مؤهلة لمواجهة أي تهديد فعلي بمفردها وهو ما أثبته الغزو العراقي للكويت وحاليًا إيران.

تتميز كذلك الشعوب الخليجية بحالة من الثراء تجعلها أقل اهتمامًا بالتأثير على العملية السياسية وأكثر تقبلاً لتوجهات الدولة. تسارعت مؤخرًا وتيرة انكشاف العلاقات بين الدول الخليجية وبالتحديد الإمارات والسعودية والبحرين مع الاحتلال، وعلى الرغم من أن أي من هذه الدول لا تمتلك علاقات رسمية مع إسرائيل لكن علاقاتها الفعلية معها قد تجاوزت العلاقات بين إسرائيل ومصر أو الأردن، لدرجة أن أصبح تأييد دولة الاحتلال ومهاجمة خصومها – لخصومتهم معها – والتشجيع على التطبيع في الإعلام الخليجي وسيلة للتقرب من السلطة. تلعب الإمارات الدور الأبرز في مشروع التطبيع مع إسرائيل أو بالأحرى تعتبر المنفذ الفعلي لمشروع تحويل العرب من عدو إسرائيل لحاميها الجديد؛ خليجيًا ازداد التأثير الإماراتي على السعودية لدفعها لتقوية علاقاتها بالاحتلال، بعد أن أصبحت الزيارات الرسمية المتبادلة بين الإمارات وإسرائيل والتنسيق المتميز علي جميع المستويات بينهما والغزل الرسمي والإعلامي أمرًا تفاخر به كلتاهما.

 • الإمارات عرابة التطبيع 

لا يمكن أن يرى الاحتلال في الدول الخليجية التهديد الحقيقي، فكما ذكرت سابقًا ظروف الدول الخليجية لا تجعل منها مصدر تهديد كما تفعل الدول العربية الكبيرة والقديمة، خاصةً مصر وسوريا والأردن والعراق ولتحقيق الهدف الفعلي من خطة تحويل العدو لحامي لا بد من تحقيق هذا الهدف على هذه الدول أو على الأقل إشغالها بنفسها، وهو ما تنفذه الإمارات عبر تدخلاتها في شؤون هذه الدول. لطالما تساءلت عن أهداف الإمارات الحقيقية وراء عبثها في المنطقة؛ فالتفسيرات بامتلاك الإمارات أطماعًا لإنشاء إمبراطورية أو محاربة الإسلام السياسي أو إيران أو تركيا أو الخوف من انتقال عدوى الثورة للإمارات تصطدم بسلوك الإمارات وهذه التفسيرات وإن نجحت في تفسير سلوك الإمارات في دولة معينة أو في وقت معينة، فإنها تتعارض مع سلوكها في مكان آخر.

يمكن تفسير هذه السلوكيات في سياق خطة تحويل العرب من خطر على الاحتلال لضامن لمشروعه، حيث نجد أن الإمارات تسعى بتدخلاتها لجعل هذه الدول دولًا مضطربة وتدعم فيها أطرافًا محلية يعترف بعضها تصريحًا أو تلميحًا باستعداده التطبيع بل وينسق بعضها مع الاحتلال وبهذا تضمن – إن سيطر حلفاؤها في بلدانهم – وجود سلطة تطبق مشروع إسرائيل في هذه الدول؛ حتى وإن لم يؤل الأمر لحلفاء الإمارات فسلطات وشعوب هذه الدول المدمرة لن تكون مهتمةً أو قادرة على الاهتمام بالقضايا السياسية الخارجية كالقضية الفلسطينية. في الوقت الذي يتسارع فيه تهاوي دول عربية كسوريا والعراق ولبنان واليمن تزداد وتيرة انكشاف التحالف الإسرائيلي الإماراتي ويزداد التهام الاحتلال للأراضي العربية. قد تصنف هذه النظرية كإحدى نظريات المؤامرة التي ترسم سيناريو شيطاني لكن بغض النظر عن صحة هذه الطرح من عدمه فصحة سواد واقع الدول العربية وواقع ما يرسم لتصفية القضية الفلسطينية أمرٌ لا تغفله عين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد