قامت المقاومة الفلسطينية بإعدام عدد من عملاء دولة الاحتلال الإسرائيلي، وذلك في اليوم الثالث من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة من نوفمبر عام 2012م.

وأعدمت المقاومة العملاء في مدينة غزة، حيث كنت موجودا مع بعض الزملاء الصحفيين لتغطية العدوان، وإذ بنا نتفاجأ بسماع صوت إطلاق نار من سلاح المسدس، فقال أحد الزملاء «يبدو أن هناك عملية إعدام لأناس قريبا من المكان»، فشاهدنا توجه الناس إلى مفترق «محطة بهلول» في حي الشيخ رضوان.

فبسرعة البرق ركب الزملاء السيارة وتوجهنا إلى المكان، فشاهدنا آخر عملية إعدام للعملاء في هذا المكان، حيث كان المقاوم يطلق النار من مسدسه صوب رأس العميل فيقع صريعًا، وبدأ الناس يتوافدون للمكان فقاموا بضرب جثث العملاء الملقَين على الأرض.

وكان أحدهم لا يزال على قيد الحياة فقام بعض الشباب بركله من منطقة الرقبة والرأس لكي يفارق الحياة.

ومنذ انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، والفلسطينيون لديهم شبه إجماع حول القصاص من العملاء، ومنذ انطلاقتها حاربت الثورة العملاء واقتصت منهم، سواء كان ذلك بإنقاذ بعضهم ومحاولة إصلاحهم وإعادتهم الى صفوف شعبهم، أو القصاص منهم بالقتل، والانتفاضة الأولى والثانية شهدتا حالة من الإصلاح والقصاص إما بالردع أو بالقتل.

ولكن الموقف الذي فجعني وفجع جميع من في المكان وخاصة الصحفيين هو أحد أبناء من العملاء المقتولين، وإذا بصراخ كبير «هذا أبوي!»، ومسك بالهاتف المحمول وأجرى اتصال بالأهل ليخبرهم ما حصل وأن والده قد قتل في الحادثة، وسط ذهول من بيننا، ونحن نندب حظه العاثر الذي جمعه بوالده الخائن للدين والوطن.

وعاد إلى بيته مشيًا على الأقدام ودموعه تنهمر على خديه واحمر وجهه، فقامت مجموعة من الأطفال برميه بالحجارة ويصيحون عليه «هذا ابن العميل، هذا ابن العميل»، فلم نستطع تحمل المنظر فوقنا في وجه الأطفال لمنعهم من فعلتهم التي ممكن أن تصفها بـ«الغبية»، والحمد لله استطعنا منع الأطفال من ملاحقة هذا الشاب ويبدو أنه ببداية العشرينات من عمره.

هذه مقدمة بسيطة لمقالي الذي يتحدث عن الحالة التي يخلفها العميل في أهله، حيث من المعروف بأن المجتمع الفلسطيني قاسٍ في طبعه نتيجة ممارسات قوات الاحتلال الإسرائيلي بحقهم طوال سنوات الاحتلال منذ عام النكبة 1948م.

وتأثير العمالة السلبي، فقد كان لظاهرة العمالة دور تدميري على نسيج المجتمع الفلسطيني. فقد انخرط العملاء –حسب تعليمات الشاباك– في أنشطة تهدف إلى تدمير أخلاق الشباب الفلسطيني وإفسادهم.

فقد دلت تحقيقات كل من الأمن الفلسطيني وفصائل المقاومة على أن العملاء لعبوا دورًا كبيرًا في تعاظم ظاهرة تعاطي المخدرات بين أوساط الشباب الفلسطيني، وكان لهم دور في نشر الرذيلة.

في نفس الوقت فقد ساهمت طريقة مواجهة فصائل المقاومة الفلسطينية لظاهرة العملاء في تكريس الشرخ داخل المجتمع الفلسطيني. ففي الانتفاضة الأولى وعندما لم يكن هناك سلطة فلسطينية، سارعت حركات المقاومة إلى إعدام المئات من الفلسطينيين من المشتبه بتعاونهم مع المخابرات الإسرائيلية.

من هنا اندفع إلى هامش المجتمع آلاف الأطفال الأيتام الذين خرجوا إلى النور وهم يعانون من عقدة الشبهة التي قتل بها آباؤهم، هذا مع أن مؤسسات المجتمع احتضنت هؤلاء الأبناء.

إلى جانب ذلك فإن هذه الظاهرة أدت إلى تكريس عادة الأخذ بالثأر بين العائلات الفلسطينية على خلفية قتل المشتبه بتعاونهم مع إسرائيل، إذ إن الكثير من العائلات لم تسلم بأن تتم تصفية أبنائها المشتبه بهم بعد أن شككت في موضوعية معالجة فصائل المقاومة لملف العملاء. وقد أقدمت بعض عائلات العملاء على قتل الذين اشتبهت بأنهم ساهموا في قتل أبنائها أو أصدر الأمر بتصفيتهم (من مقال صالح النعامي الذي نشر على موقع الجزيرة نت)

وأود أن أتطرق إلى الأثار الاجتماعية التي يخلفها العميل على أبنائه وبناته وأخوته وأخواته، منها على سبيل المثال بأن المجتمع الفلسطيني يتجنب الزواج من أبناء وبنات وأقارب العملاء حتى لو كانوا من أجمل الجميلات بالنسبة للبنات وأصحاب أخلاق رفيعة بالنسبة للشباب، إلا أنهم يتحملون وزرًا من وزرٍ لم يفعلوه وتعد وصمة العار التي أُلصقت بهم بسبب سمعة أبيهم أو قريبهم الذي يصفه الفلسطينيون  بـ«الخائن».

وهنا سأذكر لأخي القارئ أو أختي القارئة قصتين عن الآثار الذي يتركها العميل في أبنائه وبناته وذلك بعد انكشاف أمره لدى فصائل المقاومة أو الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

أولى تلك القصص طفل لما يتجاوز عمره الـ13 سنة، استيقظ على صراخ أمه، فذهب إليها مسرعًا ليعرف سبب هذا الصراخ فشاهد والده ملقيًا على باب المنزل جثة هامدة والدماء على وجهه، فلم يعرف سبب وفاته إلا بعد سنوات، حينما صارحته والدته بأسباب مقتل والده.

فحاول أن يستمر في الحياة رغم سماعه أكثر من مرة زملاءه في المدرسة «هذا ابن العميل»، رغم ذلك واصل مسيرته التعليمية حتى تخرج من الجامعة.

والتحق بعدة دورات ليتميز في تخصصه، وفي إحدى الإعلانات «مطلوب موظف بتخصص (…)» فرأى أن المواصفات المطلوبة مطابقة له تمامًا، لكن فشل في الحصول على الوظيفة والسبب ذنب لم يقترفه في حياته.

وثاني تلك القصص تعيش في المناطق الحدودية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وكانت والدتها تعمل مع جيش الاحتلال، كانت تحاول أن تنقذها –والدتها- من براثين العمالة لكن باءت جميع محاولاتها بالفشل بسبب إصرار والدتها مساعدة إخوتها الذين يعملون في القوات الإسرائيلية.

فتوجهت الفتاة إلى أحد رجال المقاومة الفلسطينية وسردت له ما يحدث مع إخوتها ووالدتها، وكيف أن جنود الاحتلال يدخلون المنطقة بعيدًا عن أعين المقاومة.

فتمكنت المقاومة من إلقاء القبض على والدة الفتاة وأخذها إلى مكان مجهول لمعرفة طبيعة المعلومات التي ترسلها إلى قوات الاحتلال بالإضافة كيفية التحاق إخوتها بصفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وبسبب جهود الفتاة في الحفاظ على إخوتها من الوقوع في براثين العمالة، إلا أنه بمجرد أن المجتمع الفلسطيني عرف تلك الواقعة، فلم تقترب أي عائلة أخرى لزواج أبنائها من أبناء وبنات العملية المذكورة في الفقرة السابقة.

وهنا أختم بأن هناك آثار وآثار تترك في نفوس أبناء وبنات عملاء دولة الاحتلال الإسرائيلي، بحيث يواجهون مصيرًا مجهولًا ووصمة عار ستلاحقهم لسنوات وسنوات، ورسالتي إلى العملاء «توبوا» قبل أن تحكم على أبنائكم بالموت وهم أحياء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد