عاب أحدُ أقاربي يومًا الإسلام، ووصفه بالديكتاتور الذي يحاول السيطرةَ على العالم، عجبتُ حقيقةً لرؤيته، قريبي هذا -أطال الله عمره- اشتراكيٌّ، ألم تحاول روسيا الاشتراكيةُ الشيوعية احتلال العالم، عبر نشر الفكر الشيوعي؟ ثمَّ ألا تسعى أمريكا لنشر الديمقراطية؟ ألا يبشِّر المسيحيُّون بدينهم في أفريقيا؟ وألا تسعى دولةُ الفقيه لنشر فكرها وتوسيع سطوتها؟ لماذا يعاب الإسلام «السُّني» إذا انتهج نهج الآخرين؟

كل أيديولوجيا – دينيةً كانت أم لا دينية- ببساطة تسعى إلى «احتلال العالم»، تسعى لإقناع الناس – بالسلام أو السلاح – بصوابيَّتها وتسوِّقُ نفسها على أنَّها المخلِّصُ لمعاناةِ هذا العالم الهرِم السَّقيم، هذه طبيعة، ولا ضرر بالطبيعة.

 الصراعُ في صميمه صراعُ أفكار وإن كان الاقتصاد هو الذريعة، والحروب حين تقام تقام لأجل الفكرة، أكانت الفكرة أرضية أم كانت سماوية أم مزيجًا من هذا وذاك، والمنتصرُ هو القادرُ على إقناع المهزوم بأفكاره، وبالتالي دفعه لينتهج نهجه ويسلك طريقه، بل ربما يقاتل في سبيله.
ولعل هزيمة المغول في حربهم ضد الإسلامِ فكريًّا رغم انتصارهم العسكري مثال بارز، فالمغول اعتنقوا الإسلام في النهاية بل قاتلوا تحت رايته، لقد انتصرت الفكرة إذًا وهزمَ السيف،
وكلما كانت الفكرة منسجمةً مع الفطرة البشرية سهُلَ إقناع النّاس بها، وكلما ترسَّخت قيَمُها في نفوسِ المؤمنين بها وسهل قتالهم في سبيلها، فالنّاس تميل للدّفاعِ عمّا تؤمنُ به، عن مقدّساتها، محارمها، معتقداتها أكانت أسطورةً أم حقيقة، إنهم يميلون لدفع أرواحهم في سبيل كلِّ ما هو مقدَّس في نظرهم.

ويأتي السّؤال: إن كانت كل أيديولوجيا تسعى لاحتلال العالم، وبسط سيطرتها، لماذا يعتبر المسلمون أنَّ الإسلام هو الحلُّ؟ لماذا لا تكون الديمقراطية الأمريكية مثلًا؟

أولًا، كل معتنقٍ لفكرٍ يرى أنّ فكره دواءٌ لداءِ العالم.

ثانيًا، لكل فكرة قيمٌ ومبادئٌ هي الأسس التي أنشئ عليها بنيان الأيديولوجيا، هذه القيم هي بمثابة صمامِ الأمان، وسور الوقاية الذي يقيها من الزلل والانحراف عن المسار.

وكل أيديولجيا هي بطبيعتها فكرة مثالية، ترسم مستقبلًا زاهيَ الألوان، هادئ السَّكنات، ما دامت في عالم الفكر والتَّنظير، لكن التَّنفيذ في عالم السُّلوك يجعلها أكثر هشاشةً وقابليةً للزِّيغِ، فالهبوط من عالم الأفكار إلى عالم السلوك كهبوطِ آدمَ من الجنّة إلى الأرض، والواقع لا يكونُ يومًا مثاليًّا، لذلك إن بنيَت الأيديولوجيا على أسس أقامها الإنسان فإنّها عندها عرضة لإتباعِ الهوى، فالنَّفسُ البشرية أمّارةٌ بالسُّوء، مجبولةٌ على الخطأ غيرُ معصومةٍ عن الزَّلل، إذًا من غير المنطقي أن يكون مشرِّعُ القانون هو مطبِّقُه، فالمشرِّع أدرى بالثَّغرات، وأقدرُ على التأويل والتحريف والتبرير، وكما قيل ليس العدْلُ في نصِّ القانون بل في نفس القاضي،
بناءً على ما سبق، نستنتجُ أنّه لا بد من قاضٍ أعلى من النَّفس البشرية، أوسع منها نظرًا، أعدل منها حكمًا، أعلم بها منها، لا بد إذًا من قاضٍ خارج الفئة البشرية يضع السّنن والقوانين، يثيب من احترم القانون ويعاقب من زاغ وتفلَّت.
لذلك كانت الأيديولوجيات الدينية أفضل من أختها البشرية – ولسنا ننفي إيجابيات الاجتهاد البشري- فالأيديولوجيا الدينية ذاتُ قيمٍ سماوية والمتديِّن الملتزم يقيس عمله على تعاليم دينه ويخاف عقاب ربِّه ويخشى عذابه، لذلك يسعى لأن يقتديَ بالسلف الصالح ويجتهدَ بالخير ويتجنَّب الخطأ، وإن زلَّت قدمه، تنبَّهَ فأصلح المسار وتابع.

لكن «لماذا الإسلامُ دون غيره؟»
إن الإسلام دينٌ بني على بُعْدين، بُعدٌ يرتبط بالسماء وفيه فصَّل الله علاقة الإنسان بربه قولًا وفعلًا عبر أركان الإسلامِ والإيمان، وبُعد مرتبط بالأرض وإعمارها وعلاقة الإنسان بما حوله وهنا تقلُّ التّفاصيل فيُنفتح باب الاجتهاد فيما عدا المحرمات وهي استثناء، فكان الظّنيُّ فيه غالبًا على القطعي، إذ قدم بغالبيةِ نصوصه المبادئ المجردة والأركان اللَّازمة للتَّمكين وبناء دولة المواطنة في مصطلحنا الحديث، وهذه المبادئ تصبُّ في كافة المجالات، اقتصادية، اجتماعية، سياسية، وعسكرية، كالعدل، والإحسان، وعدم الاعتداء، وتخيُّر الخير، والتواصي بالحقِّ والبرّ…. فاتحًا بذلك الباب للاجتهاد والتجديد، واستنباط الحكم والخير في الثقافات السابقة والمعاصرة، مكسبًا الإنسان المسلم مرونة فكريةً وانفتاحًا محمودًا على كل علمٍ أو حكمة عاملًا بقول رسول الله، صلّى الله عليه وسلم: «الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحقُّ النَّاس بها».

من هنا غدا الاسلام دينًا ذا «منظور شامل» متكاملًا في أفكاره، بيد أنّه ليس بـ«نظام شامل» فالأخير هو جعل الفكرة المجردة واقعًا معاشًا.

وللانتقال من طور التنظير إلى طور التنفيذ سعى الإسلام  لتزكية النفس، وإعدادها لتطبيق الشرائع بما يخدم المصلحة العليا للمجتمع والعالم، بعيدًا عن الكيف والهوى، مرغِّبًا بالثواب لمن أحسن وأصلح، مرهِّبًا بالجزاء والعقاب لمن ظلم وأفسد، على أن يكون الجزاء في الحالتين على قدر العمل والعلم، لا الأنساب والألقاب والمناصب، بعكس الأيديولوجيا البشرية التي قد تتبع أهواء الرؤساء إما لمنفعة وإما خوفًا ورهبة، وبذلك استطاع بناء حضارة عمرت قرونًا عدة ولم يزل التاريخ شاهدًا على عظمة الخلافة الإسلامية فكريًّا وسلوكيًّا وإنسانيًّا. 

ختامًا، الصراع للسَّيْطرة الفكرية ومن ثم المادية أمرٌ طبيعي، لا ينكره إلا جاحد، ولا يعيبه إلا متفلسف، لكنَّ الفكرة السَّماوية  التي لا تستندُ لأهواء البشرية هي الأقدرُ على الثبات لأنَّها لا تعارض الفطرة وتهاب الخطأ، وتسعى للبقاء ضمن حدود القيم المبادئ التي قامت عليها. ومع أنّنا لا ننفي أنَّ كثيرًا من المجازر والإجرامِ ارتكبَ باسم الدين، وكثيرًا من الحروب قامت باسم الله، وكثيرون أجرموا لأجل صكوك الغفران والشفاعة، لكنَّنا نتكلُّم عن الأيديولوجيا أي الفكرة المجرَّدة لا عن التَّطبيقِ البشري لها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد