على الرغم مما يشاع عن كلية الصيدلة بأنها إحدى كليات القمة التي يتقاتل على الالتحاق بها طلاب الثانوية العامة، إلا أن الحقيقة أن خريجيها أضحوا من أقل الفئات تقديرًا ماديًّا ومعنويًّا في المجتمع، بعد أن أصبحت الصيدلة مهنة من لا مهنة له، وتحولت الصيدلية إلى مشروع تجاري لكل من له مال ويرغب في زيادته مهما كان بعيدًا عن مهنة الصيدلة، فظهرت صيدليات تبيع المخدرات للمدمنين، وأخرى تبيع كروت الشحن وبعض المواد الغذائية، وكأن الصيدلية تحولت من بيت للعلاج يخفف آلام المرضى ويقدم لهم المشورة والنصيحة إلى محل بقالة لا هدف له إلا جني الأموال في ظل نقابة مشلولة وحكومة في غيبوبة، وانتشرت كليات الصيدلة الخاصة في ربوع مصر لتهب للشعب المصري أشباه صيادلة في كثير من الأحوال، وتدهور مستوى كليات الصيدلة الحكومية فأنتجت صيادلة قليلي الكفاءة إلا من أبى منهم أن يسلب منه عقله فقاوم وعلم نفسه بنفسه فأضحى:

صيدليًّا وليس بقالًا

صاحب رسالة لا صاحب ضمير ميت

مقدم خدمة متميزة لا سارق أموال ومحتالًا

إنه ببساطة

صيدلي يسبح عكس التيار

وعلى الرغم من قتامة الواقع إلا أن الصيادلة من تلك الفئة المحترمة ليسوا قليلين، إلا أنهم متفرقون لا كيان يجمعهم ولا رائد يمثلهم؛ فبحت حناجرهم دون جدوي وضاعت أصواتهم بلا طائل.

وما زالت تلك الفئة تقاوم العقبة تلو العقبة وتحارب جشع شركات الدواء، وتحاول أن توقظ الحكومة من ثباتها الطويل حتى أتت الطامة الأخيرة المتمثلة  في رغبة شركات الدواء في زيادة الأسعار لثاني مرة خلال أشهر محدودة.

كان من البديهي أن تشكل لجنة تتضمن ممثلًا عن نقابة الصيادلة وآخر عن شركات الدواء وثالثًا عن الحكومة، ويتم التفاوض بينهم والتوصل إلى حل مُرض لكل الأطراف يحفظ للمواطن المصري حقه في الحصول على دوائه بثمن مناسب دون الإضرار بالشركات المنتجة للدواء ولا بالصيادلة.

إلا أن ما حدث عكس ذلك تمامًا، تجاهلت وزارة الصحة الصيادلة، وبدأت التفاوض مع شركات الدواء، قللت شركات الدواء إنتاج العديد من الأصناف، ورفضت خروج مخزونها من الأدوية في محاولة لإحداث نقص حاد في الدواء للضغط على الحكومة المصرية.

تحركت الحكومة الرخوة ببطء شديد وسذاجة مفرطة وأقصت الصيادلة عن المشهد.

تناقصت كميات الأدوية من الأسواق، وظهرت سوق سوداء موازية للعديد من الأدوية المستوردة. صب المواطنون جم غضبهم على رؤوس الصيادلة، واتهموهم بالجشع والطمع وإخفاء الدواء انتظارًا لزيادة أسعاره.

في النهاية رضخت الحكومة لطلبات شركات الدواء، وخلال أيام سترفع أسعار الدواء لثاني مرة خلال شهور قليلة.

أين مصلحة المريض في هذا؟ هل مارست الحكومة أي ضغوط لتوفير الدواء للمرضى؟ هل عاقبت الحكومة أى شركة امتنعت عن توفير الدواء للصيدليات؟ هل استمعت الحكومة لصوت نقابة الصيادلة الممثل الرسمي للصيادلة؟

قطعًا لا

ترى إلى متى تستمر تلك المهزلة؟

إلى متى يعامل المريض المصري بذلك الامتهان؟

إلى متى يقصى الصيدلي المصري بتلك البجاحة؟

سيظل ذلك الوضع الرديء حتى يجتمع الصيادلة الشرفاء على كلمة واحدة؛ فينتخبوا قيادة نقابية واعية قادرة على تحمل المسئولية بلا نقاط ضعف أخلاقية، أو مصالح مع الحكومة.

حينها يصبح الصيادلة قوة فاعلة مؤثرة على الأرض، تستطيع أن توقف التعدي على مهنة الصيدلة، وتحفظ كرامة الصيدلي ومكانته في واقع لا يعترف إلا بالأقوى.

ترى كيف يحقق الصيادلة ذلك الهدف النبيل؟

هذا ما نتناوله لاحقـًا بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صيدلة, مهن, مهنة
عرض التعليقات
تحميل المزيد