لم يفعل بك إخوتك حتى ما فعل إخوة يوسف، لم يُلقوا بك في غيابات الجب، لم يأتوا بدم كذب، بل أتوا فعلًا بدمك أنت، جاؤوك بالذئب، ووقفوا يتفرجون عليه بلذة سادية، وهو يلتهمك ويهشم عظامك ويرتوي من دمك.

لم يأتك العدو أمام عينيك وإنما تسلل من خلف ظهرك وفي غفلة منك، فتح له إخوتك أسوار حصنك، ثم كانت الطعنة الغادرة. لم يهزمك العدو، هزمتك الخيانة. والسؤال هنا، هل حصل الخونة على مر تاريخك على الثمن؟ أم أن العدو الذي أجهز عليك استدار بعدها ليجهز على ذلك الأخ الخائن إذ إنه أدرك أن من يبيعك اليوم سيبيعه غدًا إزاء عرض أكثر بريقًا وسخاءً؟!

هاك أبا رغال، أشهر خائن عربي، فحين قام أبرهة الأشرم حاكم اليمن بغزوته الشهيرة لهدم الكعبة عام 571م، تفاوتت ردود الأفعال. يروي لنا التاريخ عن«ذو نفر» من اليمن و«نفيل الخثعمي» من قبيلة خثعم اللذين يحاربان أبرهة فيهزمهم هزيمة منكرة حتى يقعوا أسرى ويعلنان الاستسلام له، وفي الطائف يخرج له «مسعود بن عوف بن ثقيف» يقول له: أيها الملك إنما نحن عبيدك، وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد – يقصدون اللات – إنما تريد البيت الذي بمكة، ونحن نبعث معك من يدلك عليه». وقرروا أن يبعثوا معه «أبا رغال»، وهو أشهر دليل عربي يوافق على أن يدل جيش أبرهة على الكعبة مقابل المال، فلم يكن الأحباش يعرفون مكان الكعبة بعد.

يا إلهي. ما لي أرى أبرهة أمامي بعيدًا على ظهر فيل قادم من واشنطن وبلاد الفرس وبلاد الروم لهدم الكعبة، ما لي أرى ألف ألف أبي رغال يدلون علينا طائرات العدو ومجنزراته وقنابله العنقودية فيقتلوننا  في حلب والموصل والقاهرة وتعز والرقة ودير الزور وميانمار؟! والسؤال الحتمي هنا هل نال أبو رغال ما أراده حقًا؟! هل أخذ الثمن؟ وهل كان الثمن يستحق؟! يجيبك التاريخ دومًا نفس الإجابة لكننا لا ننتبه. في الطريق ودونما ثمن يموت أبو رغال في مكان يُدعى «المغمس» ويدفن هناك. وكلما مر عليه الناس أخذوا في رجم القبر. حتى إن شعيرة رجم قبره كانت من شعائر العرب في الحج بين غزوة أبرهة وحتى  ظهور الإسلام.

ليس ذلك فحسب بل إن كل خائن بعده نُعِت بأبي رغال فقد أصبح رمزًا للخيانة والدياثة، ولا يأتي ذكره في كتاب للتاريخ العربي إلا باحتقار وازدراء لأنه لم يُعرف عن العرب في ذلك الحين من يخون قومه مقابل أجر معلوم. سيُعرف كثيرًا فيما بعد. والسؤال الأهم هل استطاع أبرهة الأشرم هدم الكعبة؟ أم أنه حين وصل عجْز المؤمنين إلى الدرجة القصوى تدخل القدر هنا ذاك التدخل الهادر الباطش الجبار القهار المسيطر فيُريك الخالق عظمته وقدرته وقوته. آلاف من قطع الحجارة الدقيقة كحجم الدبوس الصغير من نار حارقة تسحق جيشًا كاملًا، ذهب أبو رغال مرجومًا، وذهب أبرهة الأشرم مدحورًا وقيل مات بعد عودته بأيام.

وبقيت الكعبة حتى الآن، فهل كان الثمن يستحق يا أبا رغال ويا كل أبي رغال؟!

هاك ابن العلقمي وكيف انتهى؟! في عهد الخلافة العباسية يتخذ الخليفة المستعصم وزيرًا يُدعى ابن العلقمي.

سنة 642هـ. كان «مؤيد الدين ابن العلقمي» من الروافض وكانت المؤامرة على الدولة الإسلامية

رهيبة كما هي الآن وكما كانت دومًا، يروي «ابن كثير» خيوط مؤامرة «ابن العلقمي» على الدولة الإسلامية وقتها تلك التي كانت تتمثل في ثلاث مراحل:

الأولى: إضعاف جيش الخلافة

يقول ابن كثير: «وكان الوزير ابن العلقمي يجتهد في صرف الجيوش، وإسقاط اسمهم من الديوان، فكانت العساكر في آخر أيام المستنصرِ قريبًا من مائة ألف مقاتل. فلم يزلْ يجتهد في تقليلهم، إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف».

الثانية: مكاتبة التتار

ثم كاتب التتار، وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحال، وكشف لهم ضعف الرجال.

الثالثة: النهي عن قتال التتار، وتثبيط الخليفة والناس

«فقد نهى العامةَ عن قتالِهِم وأوهم الخليفة وحاشيته أن ملك التتار يريد مصالحتهم، وأشار على الخليفة بالخروج إليه، والمثول بين يديه لتقع المصالحة على أن يكون نصفُ خراج العراق لهم، ونصفه للخليفة؛ في نفس الوقت يذهب ابن العلقمي لهولاكو يقول له متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عامًا أو عامين، ثم يعودُ الأمرُ إلى ما كان عليه قبل ذلك بل ويُحسن له قتل الخليفة» (البداية والنهاية: (202 -13/201).

يروي «ابن تقي الدين السبكي» عن خروج الخليفة للقاء هولاكو وإبرام الصلح معه تلك الحكاية المروعة قائلًا: «فخرج أمير المؤمنين بنفسه في طوائف من الأعيان إلى باب الطاغية هولاكو، فأنزل الخليفة في خيمة ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل ليحضروا العقد فخرجوا فضُرِبت أعناقهم وصار كذلك يخرج طائفة بعد طائفة فتُضرب أعناقهم، ثم طلب حاشية الخليفة فضُرِب أعناق الجميع ثم طلب أولاده فضرب أعناقهم. وأما الخليفة فقيل: إنه طلبه ليلًا وسأله عن أشياء ثم أمر به ليقتل فقيل لهولاكو: إن هذا إن أريق دمه تظلم الدنيا ويكون سبب خراب ديارك، فإنه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفة الله في أرضه، فقام الشيطان المبين «الحكم نصير الدين الطوسي» وقال: يقتل ولا يراق دمه، فقيل: إن الخليفة غم في بساط وقيل: رفسوه حتى مات… نعم خليفة المسلمين يُقتل رفسًا هل تتصورون؟!».

وبعدها استبيحت بغداد زهرة الدنيا، يقول «الذهبي» في العبر، إن هولاكو أمر بعدِّ القتلى فبلغوا ألف ألف وثمانمئة ألف وكسرًا. فعند ذلك نادوا بالأمان.

أما «ابن خلدون» فيذكر في تاريخه إن الذي أُحصِي في بغداد من القتلى ألف ألف وثلاثمائة ألف. ويذكر «السيوطي» أن القتال استمر في بغداد نحو أربعين يومًا فبلغ القتلى أكثر من ألف ألف نسمة ولم يسلم إلا من اختفى في بئر أو قناة، وقُتل الخليفة رفسًا. ويروي ابن كثير: «فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ولم ينج منهم أحدٌ سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى، ومن التجأ إليهم، وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي، وقُتِل الخطباء والأئمة، وحملةُ القرآنِ، وتعطلت المساجدُ والجماعاتُ والجمعاتُ مدة شهورٍ ببغداد، ثم اتجه فريق من أشقياء التتار لعمل إجرامي بشع، وهو تدمير مكتبة بغداد لقد ألقى التتار بمجهود القرون الماضية في نهر دجلة، حتى تحول لونه إلى اللون الأسود من أثر مداد الكتب، وحتى قيل: إن الفارس التتري كان يعبر فوق المجلدات الضخمة من ضفة إلى ضفة».

يكمل ابن كثير قائلًا «إن القتل استمر أربعين يومًا في بغداد، فصارت بعد الأربعين خاوية على عروشها ليس فيها أحد إلّا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلال وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد وتغير الهواء، فحصل بسببه الوباء الشديد فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح فاجتمع على الناس الوباء والفناء والطعن والطاعون، ثم نودي بعد ذلك بالأمان فخرج من كان مختبئًا.

وقد مات الكثير منهم تحت الأرض بأنواع من البلايا والذين خرجوا ذاقوا أنواع الهوان والذل ثم حفرت الدور وأخذت الدفائن والأموال التي لا تعد ولا تحصى… بعدها طلبت النصارى أن يقع الجهر بشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، وأن يفعل معهم المسلمون ذلك في شهر رمضان، فألزم المسلمون بالفطر في رمضان وأكل الخنزير وشرب الخمر، ودخل هولاكو إلى دار الخليفة راكبًا لعنه الله، واستمر على فرسه إلى أن جاء سدة الخليفة وهي التي تتضاءل عندها الأسود». (البداية والنهاية) [202 -13/203].

السؤال هنا كيف كانت نهاية ابن العلقمي؟! وهل نال حقًا ما أراد؟!

يروي صاحب فوات الوفيات (3/ 253): «وقرر – أي ابن العلقمي – مع هولاكو أمورًا انعكست عليه، وندم حيث لا ينفعه الندم، وكان كثيرًا ما يقول بعد ذلك: « وجرى القضاء بعكس ما أملته»، نعم يبدأ التتار في معاملته بكل أنواع الذل والمهانة. حُكي أنه كان جالسًا بالديوان، فدخل عليه بعض التتار ممن ليس له وجاهة راكبًا فرسه، فسار إلى أن وقف بفرسه على بساط الوزير وخاطبه بما أراد، وبال الفرس على البساط وأصاب الرشاش ثياب الوزير، وهو صابر لهذا الهوان يظهر قوة النفس وأنه بلغ مراده.

ويروي «السبكي» حكاية أخرى لذلك الهوان الذي عومل به فها هم التتار يطلبون منه ذات يوم شعيرًا، فيركب الفرس بنفسه ويمضي ليُحصِّله لهم، وهذا يشتمه وهذا يأخذه بيده، وهذا يصفعه بعد أن كانت السلاطين تأتي فتُقبِّل عتبة داره، والعساكر تمشي في خدمته حيث سار من ليله ونهاره. وإذا بامرأة تراه فتقول له: (يا ابن العلقمي، هكذا كنت تركب في أيام أمير المؤمنين)! فيكاد يموت من الموت خجلًا.

وبعد أشهر يسيرة من دخول التتار بغداد بل وفي نفس السنة التي دخلوها فيها 656هـ/ 1258م، يموت ابن العلقمي كمدًا، فهل نال ما أراد؟ وهل تصور لحظة أن تكون تلك هي النهاية الفاجعة؟!

هاك الخائن حسين، الذي كان يُدعى «الشريف حسين»، وما كان بشريف أبدًا، يطمع «حسين» في أن يصير الخليفة وفِي عام 1914م عند نشوب الحرب العالمية الأولى وفي الوقت الذي كان الجيش العثماني يبدي صمودًا أسطوريًا في البدايات أمام الحلفاء، بل ويستطيع هزيمة الجيش الإنجليزي الهندي في العراق عام 1915، في ذلك الوقت تحديدًا يتحالف «حسين» مع الإنجليز فيما عُرف «بمراسلات حسين – ماكماهون»، يعده الإنجليز بأن يصير ملكًا على العرب إذا حاربت جيوشه معهم دولة الخلافة  وفي يونيو 1915م تقوم ما تدعى «الثورة العربية الكبرى» ضد الخلافة. وما كانت ثورة أبدًا بل كانت خيانة دامية إذ لم يتلف حوله سوى الأعراب والأقليات والرعاع، في 1916 تمت سايكس-بيكو وتم تقسيم تركة الخلافة الإسلامية، ومُنِحت فلسطين وطنًا قوميًا لليهود.

فهل نال الخائن ما أراد؟ هل أصبح ملكًا للعرب كما أراد؟! يظل «الخائن حسين» فترة طويلة لا يصدق أن إنجلترا قد باعته بعد أن استنفدت أغراضها منه، بل إنه وفي أثناء تصديقه للعبة، يعلن نفسه خليفة للمسلمين وكان ذلك في أوائل مارس (آذار) عام 1924 أي بعد إعلان أتاتورك عن إلغاء الخلافة في تركيا. تستشيط إنجلترا غضبًا من ذلك الإمعة الذي صدق الحكاية، فتعطي الضوء الأخضر لرجلها آنذاك «عبد العزيز بن سعود».

فقد كان النجم الصاعد والمنافس الأساسي للخائن حسين في الجزيرة العربية، لكي تحارب قواته قوات الحسين، ويُهزم الحسين في بضع ساعات وتسقط الطائف في يد «عبد العزيز»، كان ذلك أوائل سبتمبر (أيلول) 1924م، وبعد سقوط الطائف أُصيب أهل مكة وجدة بالرعب، وأخذوا يطالبون بخلع الحسين وتنصيب ابنه «علي» ملكًا على ما تبقى من الحجاز فيضطر للاستجابة لهم، ويغادر «جدة» على متن باخرة تدعى «الرقيم»، متوجهًا إلى العقبة.

وهنا تبدأ النهاية الدامية للخائن، ترفض إنجلترا أن يمكث حسين في العقبة حيث يحكمها ابنه «عبد الله بن الحسين»، أمير شرقي الأردن. نعم كان الأمر البريطاني واضحًا، لن يُسمح لملك الأردن أن يمنح حق الإقامة لأبيه في مملكته، وفي ميناء العقبة يأتي الإنذار البريطاني مرة أخرى، تصل إلى مياه العقبة البارجة البريطانية «كورت فلاور» ويقدم ربانها إلى الحسين إنذارًا بمغادرة العقبة خلال ثلاثة أسابيع، ليس إلى عمان عند ابنه عبد الله، وليس إلى العراق عند ابنه فيصل، ولكن إلى جزيرة قبرص التي كانت مستعمرة بريطانية هي الأخرى، وحين يرفض أو بالأحرى يتصور أنه يمكنه الرفض، يأتي الأمر البريطاني لابنه لعبد الله بإقناعه وإلا…

ولم يتردد «عبد الله» في تنفيذ الطلب البريطاني، لأنه يدرك أن عرشه في الأردن وعرش أخيه فيصل في العراق مهددان بالزوال، إذا ظل الوالد مصرًا على الرفض، إذن فليذهب الوالد إلى الجحيم لتبقى العروش.

بعد ثمانية أشهر من وصوله إلى العقبة، تقله باخرة بريطانية إلى جزيرة قبرص في البحر المتوسط، فيصلها في 22 يونيو (حزيران) 1925م بعد رحلة شاقة.

وتبدأ مرة أخرى رحلة الذل والمهانة، شيخ لا يعرف أحدًا ولا يعرفه أحد، يكتب الحاكم البريطاني في قبرص «رونالد ستورز» في مذكراته يصف حياة الحسين في هذه الجزيرة فيقول: «لم يكن في قبرص معروفًا من أحد.. وكان بالنسبة للموظفين الكبار في الجزيرة، بمثابة سجين، وللموظفين الصغار نكرة»، تنهال المصائب على رأس الحسين فيغدر به خدمه، ويعتدون على خيله وتنفد أمواله بل يرفع صاحب المنزل الذي يستأجره دعوى عليه في المحكمة لتأخر دفع الإيجار ويطلب زوجة الحسين شاهدةً، هل هنالك هوان أكثر من هذا؟!

نعم، يروي «زيد بن الحسين» في مذكراته ما حدث بعد ذلك وقد كان يمكث مع أبيه: «كان فيصل يرسل لأبيه راتبًا شهريًا بالكاد يكفيه، وتأخر الراتب فأبرق الوالد لبغداد يستفسر، وعندما لم يصل الجواب امتنع البقال المجاور لهم عن تزويدهم بمواد المعيشة الضرورية، كما كان يفعل من قبل، فاضطر الحسين إلى الذهاب بصحبته إلى حاكم الجزيرة «ستورز» يطلب منه قرضًا إلى أن تأتي الحوالة من بغداد، ولكن «ستورز» أمعن في إذلال الحسين، فهو من جهة لم يطلب منه أن يجلس عندما دخل مكتبه، ومن جهة أخرى فقد قال له عندما طلب القرض: «ما هو الضمان لهذا القرض؟»، فقدم له الحسين خنجره المحلى بالذهب، فأمسك ستورز بالخنجر وهزه بكل استخفاف وكأنه يقول: هذا لا ينفع، ثم استدعى كاتبه وأمره أن يقدم للحسين القرض الذي طلبه، ولكن الحسين لم يتحمل تلك الإهانة، وصارت يده ترتجف، وشفتاه تختلجان، ولم يكد يصل البيت حتى أصيب بالنزيف في المخ وسقط طريحًا على الفراش بين الحياة والموت».

يا إلهي يا حسين، ذاك الخنجر الذي لم تحاربهم به أردت أن ترهنه عندهم لتسد رمقك، هكذا هي الخناجر.

إذا لم تصوبها لعدوك… قتلتك. تتدهور حالة الحسين فتسمح له بريطانيا بالرجوع إلي عمان بعد انتهاء خطره نهائيًا ليموت هناك، وكان ذلك في 4 يونيو 1931، يا إلهي ما أبشعها من موتة، وما أبأسها من حياة.

أنظر للتاريخ وأهتف نائحة مع الشاعر الفلسطيني «معين بسيسو» في قصيدته المروعة «سفر سفر»:

وأين غزالةُ العربِ؟

وأيْنَ يمامةُ العربِ؟

ورُمحُ الدّولةِ العربِي؟

وترسُ الدّولةِ العربِي

وشمسُ الدّولةِ العربِي؟

الكتابُ الأخضَرُ العربِي؟

وسَيْفُ الدّولةِ العربِي؟

إذا جئناهُ معتصِمًا

وجدْناهُ أباَ لهَبِ؟

يا إلهي كيف لخصت كل جراحنا بذلك البيت الشعري المرعب يا شاعرنا الكبير، نعم لماذا كلما تصورناه معتصمًا وجدناه أبا لهب؟! يكمل الشاعر قائلًا:

الآنَ تعرِفُ أنَّ هذا الصَّمْتَ

ذاَ الأَشْواَكِ

مِنْ شِيَمِ العَرَبْ

الآنَ تعرِفُ أنَّ صَمْتَكَ

لمْ يَكنْ ذَهَبًا

وَلاَ خَشَبًا

وَأَنَّكَ حينَ تَصْمُتُ

يَصْعدوُنَ إِلى فَمِكْ

أَبَدأْتَ تُحصي أضْلُعَكَ؟

كمْ مِنْ ضُلوعِكَ والحصارُ يضيقُ

قد وقَفَتْ مَعَكْ؟.

نعم يا سيدي صدقت، أن تخونك يداك، أن تتنكر لك دماؤك في وريدك، أن يخونك قفصك الصدري. هاك تمامًا ما قد حدث، ينهي «بسيسو» قصيدته المعجزة تلك موجهًا حديثه لكل الوجوه المكررة الخائنة عبر التاريخ كله وهو يرى نهايتها المرعبة قائلًا:

أَيُّها الوجْهُ المُكَرَّرْ

أَنْتَ لَنْ تَحْتَلَّ ظِلًّا

أَنْتَ لَنْ تَحْتَل طِفْلًا

أَنْتَ لَنْ تَحْتَل وجْهِي

إِنّما تحْتلُّ قبرَكْ

صدقت يا شاعرنا، نعم يا كل أبي رغال، يا كل أبناء العلقمي، يا كل أبناء وأحفاد الخائن «حسين»، إنما تحتل قبرك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد