حضرت مرة ندوة شعرية، بدأت بكلمة لأحد الذين تبدأ أسماؤهم بلقب دكتور، وبعد أن انتبهت الألباب، وأصاخت الأسماع، ورنت العيون، وجدناه يحدثنا عن حرب أكتوبر، وكيف كانت عبقرية إلى درجة أنها تدرس حتى الآن في كل دول العالم مثالًا على العبقرية الحربية، وهذا لا اعتراض عندي عليه ولا قبول، فهو عندي من الأخبار المتناثرة هنا وهناك، وإلا فلم لم نر هذا الجيش العبقري يخترع قنبلة ذرية أو حتى نثرية، ولم نراه حتى الآن يشتري سلاحه من غيره ويقبل بشروطه إن كان عبقريًّا؟ ولكن كل ما مضى إنما هو من قبيل النقاش والمحاورة، فلست تلزم كل الناس برأيك، وإنما تقول ويقولون، ولكنه لم يلبث إلا قليلًا، حتى أراد أن يبصرنا بما وصلت إليه الحروب الحديثة، وكيف تعاقبت أجيالها لتصل إلى الجيل الثاني عشر، وبدأ في وصف هذه الحروب، فتراجعت عيناي إلى داخل محجريهما، تلتمسان المزيد من الأمان، وغيرت أذناي ترددهما فصارتا تستمعان إلى أشياء أخرى من العوالم الموازية، ولكني أعدت ضبط كل ذلك، وأصررت إصرارًا على أن أستمع إلى باقي خطبته العصماء، فانتقل بنا ليخبرنا عن أشياء لو قصتها شهرزاد على شهريار لقتلها واستغنى عن قصصها الجميل، ورماها في غيهب الموت، وعاد راشدًا إلى قتله لبنات حواء مستريح الضمير، عالي الهمة.
سمعت من قبل أن التوحد خلف جيشنا حتى ولو قتل منا العشرات، بل والآلاف هو من قبيل الحكمة والحصافة؛ لأن مخاطر خسارتنا له، هي أكبر بكثير من مخاطر وجوده على سدة الحكم مهما ظلم، نعم سمعت هذا، وكان التخويف ساعتها من الإخوان ومن داعش وماعش وغيرها، ولكن الكلام هذه المرة كان يتخطى حاجز «الترملة» بمراحل.
فطبقًا لرواية الدكتور الكبير، الذي يرأس بالمناسبة تحرير إحدى الجرائد القومية، فإن الغرب هذه الأيام أصبح قادرًا على زلزلة الأرض وبركنتها وبرققتها، وأعني بذلك أنه قادر على إحداث زلزال في أي مكان يشاؤه من كرتنا الأرضية، وكذلك إثارة بركان خامد، وضرب منازل آمنة غافلة –يا عيني– بالبرق من أعلى، عن طريق أقماره الصناعية التي تدور حول الأرض منذرة بخراب بيت من تسول له نفسه أن يعترض، ثم أثبت لنا بالدليل القاطع أنه مليء بالمفاجآت عندما تحدث عن المجال المغناطيسي المحيط بكل فرد على وجه البسيطة، وأنه هو المسؤول عن شخصيته وجيناته وحبه وكرهه وطريقة تعامله مع الكون ومن فيه، وأن الغرب –بسلامته– قادر هذه الأيام على اللعب في هذا المجال المغناطيسي ليزيل الفوارق العقدية والأخلاقية، ويجعل الهندي كالمصري كالكوالالمبوري سواء بسواء، ليصبحوا جميعًا نفس النسخة المشوهة التابعة للغرب.
هذا وليس ما سبق هو كل ما لدى الغرب من سلاح، بل هناك الدجاج المعدل جينيًّا، والذي ما إن تأكله حتى تصير «فرخة» تابعة للغرب، لا تتوقف عن القوقأة ولا تبدأها إلا بإشارة من القائد الذي يحركها، وعرفت ساعتها كم هي غبية أمريكا التي حاربت العراق وأفغانستان، وأهلكت الكثير من جنودها في حين كان يمكنها أن ترسل أحد أقمارها الصناعية ليستخرج عددًا من الوحوش من باطن الأرض، أو ليثير بعض البراكين، ولكنها فضلت الحروب التقليدية؛ لأنها تهيم عشقًا –كما هو واضح– في خسارة جنودها، وأموالها الطائلة، في حروب كان يمكنها أن تتفاداها.
تكلم الرجل أيضًا عن بيل جيتس الذي بدأ مايكروسوفت في مكان صغير في أمريكا، ولكنه صار من أثرى أثرياء العالم، كنت أرغب في أن أخبره أنه لو كان هناك أمناء شرطة في أمريكا يمرون عليه مصبحين، وبالليل ليستخرجوا منه ما تيسر من عشرينات مكرمشة، ولو كان هناك وزارة كهرباء ترميه كل شهر بألفي دولار استهلاكًا، لكان بيل جيتس قد أنهى حياته على أحسن تقدير غريقًا طفا جسده على ساحل فرجينيا، أو نورث كارولينا.
أنهى الدكتور محاضرته، وقال: شكرًا، فصفق الحضور ولم أكن الوحيد الذي لم يصفق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد