تتسابق القوى الإقليمية العالمية على بسط سيادتها في المنطقة العربية، وإيجاد موقع قدم لها في عددٍ محدود من البلدان العربية التي امتازت بالفوضى وعدم الاستقرار نتيجة لسياسة الأنظمة الفاسدة التي تتزعم هذه الدول، وقد جاء هذا السباق لأهداف إستراتيجية وبأطر عقائدية وطائفية ومذهبية من منطلق تقسيم المقسم وتفتيت المفتت.

وهذا ما يمكن ملاحظتة بصورة جلية في السياسة الإيرانية التي بدأت تطفو على سطح هذه التفاعلات ما بين القوى المهيمنة، حيث تسعى إيران للهيمنة على هذا النحو ليس عن طريق التوسع الإقليمي، ولكن عبر أساليب أخرى كثيرة، مثل بناء شبكات دعم ومساندة لإيران في أنحاء المنطقة، وتقديم الدعم لحلفائها، وتعزيز الروابط الاقتصادية والتجارية مع الدول المجاورة، والسعي لتوقيع اتفاقيات دفاعية وأمنية. ففي هذه الورقة النقاشية سوف نركز على أدوات إيران في الهيمنة على المنطقة العربية، وذلك بالتركيز على أوجه التشابه بين حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن.

فسياسة الأذرع هي السياسة الأكثر استخدامًا في المشهد (الشيعي/ السني)، والدولة الإيرانية هي الدولة الأكثر استخدامًا لهذه السياسة، فهي سياسة خفية تتبع الحروب الناعمة، رغم دموية ما تقوم به هذه الأذرع في سبيل تحقيق أهداف الدولة الإيرانية دون أن تمثل لإيران أدنى إحراج سياسي أو ديني. إذ استطاعت إيران خلال فترة ما بعد الثورة الإيرانية تكوين ذراع عسكري وسياسي قوي في لبنان، ويتمثل ذلك في حزب الله اللبناني، فالحزب وإن كان من الناحية الجغرافية لبنانيًا، لكنه من الناحية الفكرية والسياسية والعقائدية إيراني حتى النخاع.

لبنانيًا بالرغم مما يؤكده قادة الحزب بأنه لبناني ونشأته لبنانية وجاء الدور السوري والإيراني لاحقًا، إلا أن المعطيات تؤكد أن إيران لعبت دورًا أساسيًا في ولادته ونشأته ونموه، وتصريحات قادة الحزب وميثاق الحزب تؤكد دومًا التبعية للثورة الإيرانية ومرشدها، وصور قادة إيران وعلمها تسيطر على مرافق وفعاليات الحزب.

وتتميز العلاقة بين حزب الله وإيران بتداخل البعدين السياسي والديني فيها، فاللبنانيون الشيعة الذين يمثلون كوادر حزب الله تربطهم بالمرجعيات الدينية الإيرانية روابط روحية عميقة، ويعتبر مرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامئني أكبر مرجعية دينية بالنسبة لهم، ويسمى أمين عام حزب الله حسن نصر الله الوكيل الشرعي لآية الله خامئني.

وما يدل على ارتباط حزب الله بإيران هو ما ذكر وفي إحدى المناسبات في تاريخ 5/3/1987م قال الناطق باسم حزب الله في ذلك التاريخ إبراهيم الأمين: “نحن لا نقول إننا جزء من إيران، نحن إيران في لبنان، ولبنان في إيران” ويقول حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله: “إننا نرى في إيران الدولة التي تحكم بالإسلام والدولة التي تناصر المسلمين والعرب، وعلاقتنا بالنظام علاقة تعاون، ولنا صداقات مع أركانه ونتواصل معه، كما أن المرجعية الدينية هناك تشكل الغطاء الديني والشرعي لكفاحنا المسلح”، (نقلًا عن كتاب حزب الله رؤية مغايرة، تأليف عبد المنعم شفيق، ص32).

والأمر نفسه ينطبق على جماعة الحوثي في اليمن، فالجماعة وإن كانت زيدية المعتقد – أصلًا وقيادة – إلا أنها تتبع من الناحية الفكرية والسياسية كل ما يُملى عليها من قبل الدولة الإيرانية، وما اضطرابات اليمن إلا شكلًا من أشكال السيطرة الإيرانية على اليمن ومقدراته، حيث يسعى الحوثيون في إعادة رسم الهلال الشيعي في الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية خاصة من نجران وجازان حيث يسكن نجران طائفة الإسماعيلية الشيعية ويبلغ عدد السكان فيها ما يقارب 700 ألف وأقلية زيدية تعد بالمئات.

وفي المنطقة الشرقية الملاصقة والمتواصلة من نجران وجازان وهي الحدود الملتهبة مع الحوثيين ويسكنها مئات الآلاف من الشيعة ذوات المذهب الاثنا عشري، حيث تتبع جماعة “الحوثيين” في تعاملها مع الدولة اليمنية ومختلف الأطراف السياسيين والقبليين في البلاد، النهج ذاته الذي اعتمده “حزب الله” في قضمه المتدرج لهيبة الدولة اللبنانية ومؤسساتها وصولًا إلى الإمساك بقرارها، وتستخدم ذرائع مماثلة لذرائعه في رفضها نزع سلاحها والانضواء في كنف الدولة، رافعة شعارات تماثل شعاراته عن “العدو الخارجي” و”العداء لأميركا واليهود”.

وهو المنطق نفسه الذي تحدث ويتحدث به “حزب الله” عندما يصر على أن “المقاومة” التي استنفدت أغراضها ودورها بعد حرب 2006، وقرار مجلس الأمن 1701، يجب أن تبقى كيانًا مستقلا ًعن الدولة، يعود إليها قرار الحرب والسلم، لأنها الأقدر على مواجهة “العدو الخارجي”، ولأن الدولة اللبنانية “ضعيفة وغائبة تعطل الانقسامات السياسية والطائفية دورها وقدراتها”، وكأنه ليس طرفًا في هذه الانقسامات ولا يشجع عليها. واستخدم الحزب حجة “غياب الدولة” أيضًا في تبرير حربه “الوقائية” في سوريا لمنع “المتشددين” من دخول لبنان، وهو ما ثبت بطلانه.

وقد قام الحزب في بداياته بحملة تطهير في جنوب لبنان وسائر مناطق انتشاره استهدفت أبناء طائفته الذين يرفضون ارتهانها لإيران وكذلك أبناء الطوائف الأخرى الذين كانوا يرون في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي واجبًا وطنيًا يفترض أن يلبيه جميع اللبنانيين على اختلاف معتقداتهم الدينية والسياسية، ونجح في “حصر” المقاومة بنفسه، وربطها بالقرار الإيراني- السوري المشترك الذي يتحكم بتوقيت المواجهات وحجمها وتسوياتها، متخذًا قراراته بمعزل عن الدولة والجيش وسائر المكونات اللبنانية على رغم تحملهم تبعاتها.

وهذا تمامًا ما فعله “الحوثيون” عندما أقدموا على “تطهير” مناطق انتشارهم الرئيسية في محافظة صعدة من معارضيهم حتى بين الزيديين الشيعة، وأخرجوا السنة منها بحجة أنهم “تكفيريون” (التسمية ذاتها يطلقها “حزب الله” على المعارضين السوريين لنظام بشار الأسد ورعاته الإيرانيين)، ثم انتقلوا جنوبًا إلى همدان التي لا تبعد عن صنعاء سوى 20 كيلومترًا بحجة تأمين حرية الانتقال بين صعدة والعاصمة، وعادوا لاحقًا إلى عمران في الشمال وهاجموا مواقع الجيش، معلنين رفضهم نتائج الحوار الوطني الذي قضى بتقسيم اليمن إلى ستة أقاليم اتحادية، لأن قبولها يعني التخلي عن فكرة التوسع والاكتفاء بالحيز الجغرافي والسياسي المحدد لهم بموجبها.

وعلى غرار “حزب الله” رفع “الحوثيون” شعارات معادية “للشيطان الأكبر” الأمريكي ولإسرائيل، وأضافوا إليها اليهود، لكن على رغم أن الحزب عدّل لهجته وخففها تجاه الأمريكيين نتيجة المفاوضات بين واشنطن وطهران، واصل الفرع اليمني “عداءه” للولايات المتحدة لاستقطاب متطرفي “الحراك الجنوبي” وتنظيم “القاعدة” الذين تستهدفهم الطائرات الأمريكية بدون طيار، والذين يشاركون الحوثيين رفضهم للدولة الاتحادية.

إذن الحوثيون وحزب الله هم وجهان لعملة واحدة هدفها هو إضعاف الدول التي تتواجد فيها وخلق فوضى يمكن من خلالها أن تقوم بإعادة بناء أو تأسيس مؤسسات تخضع لها ولنفوذها، وهذه التوجهات لم تأتِ من فراغ وإنما جاءت نتيجة لما تملكه من قوى خفية تساندها في تحقيق مصالحها التي تعود بطريقة طردية إلى هذه الدولة المساندة لتلك الجماعات.

ختامًا يمكن القول أن أطماع وطموحات إيران في أن تصبح القوة المهيمنة في المنطقة ليست بالأمر الجديد، بل هو موقف تاريخي قديم. ولقد كان هذا هو الحال زمن الشاه واستمر مع حكم رجال الدين، إذ تعتبر إيران أن هذا الدور المهيمن هو حق طبيعي في الخليج وفي كل الشرق الأوسط، وذلك على اعتبار أنها أكبر بلد من حيث عدد السكان، وأكبر قوة عسكرية وأقدم حضارة. لذلك تعطي لنفسها المبرر الشرعي من أجل أن تقوم بدعم أي جماعة يمكن لها أن تحقق هذا الحلم الفارسي في المنطقة في ظل غياب الوعي السياسي أو الضعف التخطيطي لدى الطبقة الحاكمة في الدول التي تتدخل في شؤونها إيران عبر هذه الأدوات والأذرع التي خلقتها لخدمة صالحها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد