في أثناء مناقشة رسالتي للماجستير التي كانت في الفكر الاقتصادي، علّق أحد الدكاترة بأنه: لو أمعنا النظر في هذه الرسالة لتبيّن لنا بأن «كينز» ما هو إلاّ نصّاب، لكونه اقتبس جل أفكاره من القس «توماس مالتوس» من خلال كتابه المشهور جدًا (نظرية السكان). نقول ولو أمعنا النظر في أطروحات (فلاسفة الوجودية) لتبيّن لنا أيضًا أن جل أفكارهم مقتبسة من مقالة بعنوان (كرامة الإنسان) للإيطالي «جيوفاني بيكو ديللا ميرندولا» المولود سنة (1463م) دون أن يذكره أحد ويكاد يكون شخصية منسية في التاريخ. ولو أمعنا النظر أيضًا بشكل من التفصيل ومقارنة بسيطة في أطروحة «عقدة أوديب» لعالم النفس والمفكر العالمي النمساوي «سيغموند فرويد» لتبيّن لنا نصاب آخر محسوب يُضاف على زمرة النصابين، لكونه أقتبس أطروحته نصًا من قصيدة (أصل الآلهة) لشاعر القرن السابع قبل الميلاد «هزيود».

    ففي كتابه (الطوطم والحرام) يرى «فرويد»: أنه في فترة مبكرة من تاريخ الإنسانية، قد وقعت أحداث الدرام «الأوديبي» بشكل حقيقي، عندما تعاون الأولاد على قتل أبيهم في صراع كان الهدف منه هو الحصول على زوجات الأب، فالحيوان الطوطمي (بديل الأب) الذي تمت التضحية به ليس إلاّ صورة للأب العنيف الذي يطرد أولاده خشية منافسته على امتلاك نسائه. يمكن افتراض أن الإخوة المطرودين من المنزل الأبوي وبعدما امتلكوا من القوة ما يمكّنهم من مواجهة الأب، استطاعوا ان يحققوا مجتمعين ما كان كل واحد منهم عاجزًا عن القيام به وحده: قتلُ الأب وتملُّك نسائه، وبعد الجريمة أكلوا جُثة الأب.

    وبعد أن تم لهم ما أرادوا انتابهم إحساس الندم والإثم، فحرموا على أنفسهم زوجات الأب، وبما أن الأبناء كانوا في الوقت نفسه يكرهون الأب ويحبونه ويعجبون به، فلا شك أن مشاعر الذنب والندم خالجتهم بمجرد أن انتهت سورة الغضب وأُشبعت الشهوة الجنسية، مذّاك صاروا يحترمون الأب الميّت ويقّدسونه، من أجل التكفير عن الذنب ونسيان الجريمة، حرّموا قتل الطوطم (بديل الأب) وامتنعوا عن العلاقات الجنسية مع النساء.

    عند مقارنة هذا النص الفرويدي مع النص الهزيودي يتبين لنا بدون شك مدى حجم الاقتباس الفرويدي لنص هزيود التي تنص على أنه: في البدء كانت الفوضى، فبعد الفوضى ظهرت ألوهة «جايا» أي الأرض وهي نقيض الفوضى، منها ستخرج تقريبًا كل الآلهة الأخرى بدأ بـ«أورانوس» وهو إله السماء الذي سصبح هذا الابن عشيقها، ومن اتحادهما سيولد نسل كثير وعندئذ سيتوزع هذا النسل الإلهي على ثلاث مجموعات:

1- الجبابرة الإثنا عشر: ستة رجال وست نساء، إنهم كائنات مرعبة ذات قوة لا تقدّر جبّارة.

2- السيكلوب الثلاثة، وأسماؤها معبّرة إذ تشير على التوالي إلى الصاعقة والرعد والبرق.

3- الهيكاتنشير (ذوي المائة ذراع) إنها أنواع من الوحوش الأسطورية يمتلك كل واحد منها مائة ذراع عملاقة، وهم أشد عنفًا وقوة من الجبابرة.

    كل هؤلاء الأبناء المجموعات الثلاث محبوسون في بطن الأم «جايا» في سجن. ترى لماذا؟ لأن أباهم «أورانوس» لا يريد على وجه الخصوص أن يدعهم يخرجون: إنه يخشى أن يأخذوا مكانه وزوجته وسلطته. لذا يظل «أورانوس» ملتصقًا بـ«جايا» يغطيها إلى حد كبير لا يترك معه أي متسع كي يتكمن الأطفال من الخروج ورؤية النور.

    إلاّ أن «جايا» تشعر بألم في بطنها المنفتخ وتشتاق إلى رؤية أطفالها، فتتحدث عندئذ إليهم بحيث يسمعونها وهم في أحشائها تقول لهم: هلاّ يكون لأحدكم الجرأة على تخليصنا من «أورانوس» من هذا الأب الذي لا يريد أن يترككم تخرجون من بطني لرؤية النور؟ إن كنتم تريدون الخروج إن كنتم ترغبون في الولادة وفي رؤية النور فإني سأساعدكم على ذلك.

    إن أصغر الجبابرة وهو الشاب «كرونوس» أعلن عن استعداده لمصارعة أبيه. عندئذ صنعت «جايا» في بطنها منجلًا معدنيًا سلّمته إلى ابنها. وحين ضاجع «أورانوس» جايا من جديد أمسك «كرونوس» بقضيب والده لحظة إيلاجه فيها، وقطعه بيده اليسرى التي ستصبح بسبب ذلك على الدوام (اليد المشؤومة). وبذلك ينفصل «أورانوس» الأب أخيرًا عن «جايا» وتبتعد السماء عن الأرض ويفرّ «أورانوس» صارخًا إلى أعلى ليصبح سقفًا للعالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد