من الصلاح إلى الإصلاح

لا يمكن لدولة أن تتقدم أو لمجتمع أن يرقى إذا لم يكن العنصر البشري لهذا المجتمع صالحًا، قادرًا على أن يرقى بها؛ فصلاح المجتمع وتقدم الدول رهين بصلاح ثروتها البشرية، يقول الإمام القرضاوي حفظه الله: «إننا لا ننكر أهمية المجتمع الصالح بل ضرورته لتنشئة الفرد الصالح، ولكن المجتمع إن هو في الواقع إلا بناء لبناته الأفراد، فإذا لم تصلح اللبنات في نفسها لم يتصور أن يقوم عليها بنيان سليم».

من سنن الله تعالى في النفس والمجتمع أن جعل ما بالقوم نتيجة لما بالأنفس مصداقـًا لقوله تعالى: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» الرعد 11.

الإنسان هو العنصر المؤثر في حركة التاريخ وفاعلية المجتمع؛ فالسياسة لكي تستقيم تحتاج أن يقوم لها رجال صالحون ربانيون، يعون المسؤوليات التي يحملونها على عاتقهم، يؤدون الأمانات إلى أهلها، يقول ابن القيم: «جماع السياسة العادلة الصالحة أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل».

والاقتصاد لينمو ويزدهر يحتاج إلى أيادٍ أمينة، والتعليم في حاجة لأن يقوم عليه رجال ونساء قادرين على إنشاء جيل سليم الفكر. فلن يستقيم مجال إن لم يخض فيه المصلحون، ولا يمكن للإنسان أن يكون مصلحًا إن لم يكن صالحًا في ذاته قادرًا على إدارتها ومجاهدة رغباتها، وصلاح النفس لا يكون إلا بثورة جذرية على الذات، فتصلح بذلك الأنفس وينعكس صلاحها على المجتمع؛ فيكون بذلك صالحًا ثم مصلحًا.

حتى في دراستنا للسنة النبوية نجد أن الرسول – صلى الله عليه وسلم- ركز في البداية على تغيير ما بأنفس أصحابه، وعالج أمراض نفوسهم حتى قدموا مراد الله ومراد رسوله على مراد أنفسهم، ووصلت بهم إلى أن أحدهم يستكثر الجلوس برهة لأكل ثميرات يقمن صلبه في المعركة ويراه مؤخرًا لوصوله لموعود الله له في الشهادة فيلقى الثميرات ويتوجه إلى الميدان شاهرًا سيفه يطلب النصر أو الشهادة.

وهذا عمرو بين الجموع قيل له قد عذرك الله من القتال لأنه كان أعرج فأقسم ليطأن الجنة بعرجته وتوجه إلى المعركة وهو يعلنها مدوية: إني لأجد ريح الجنة من قبل أحد!

إن هذه المبادرات لنصر الله والدفاع عن دينه لم تكن لولا إصلاح النفوس وعلاجها وتزكيتها وجعل مرادها الأسمى بلوغ درجة الإحسان.

والعمل على إصلاح الأنفس يكون أولاً بالالتزام بأداء الفرائض وأداء أركان الإسلام الخمسة على الوجه المطلوب شرعًا؛ فالشهادة تعني التحرر من كل الآلهة والتمرد على كل تبعية بشرية تفرض نفسها وتجعلها آلهة مقدسة، والصلاة صلة يتصل بها المسلم بربه صبحًا وعشيًا، والزكاة تطهير للنفس من داء البخل وتربية لها على الإيثار، والحج فرصة للتوبة وتطهير الصحيفة.

الالتزام بالفرائض يتطلب همة عالية ونفسًا متطلعة للعلا وإيمانًا قويًّا، وذلك لا يستقيم إلا بتربية روحية ربانية.

ليست الخطابات الرنانة أو الأشعار التي تبعث في النفس الحماسة هي التي ستغير واقع أمتنا المرير، كل المجهودات ستخلص بالفشل وسيمل الخطاب من الخطاب، وسيظل الحال كما الحال، إن لم نراع سنن الله في خلقه وفي الكون، وأول هذه السنن «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، فهنا مكمن الداء والدواء.

حين سننطلق من أنفسنا ونعي أننا نتحمل جزءًا مما بلغته أمتنا من ضعف وهوان، ونوقن بأن تغيير كل منا لنفسه سيساهم في تغيير حال الوطن والأمة، تأكد أن أمتنا سترقى وستبزغ شمس نهضتنا من جديد، بالإيمان والعلم سيصلح الحال والمقال، وسينعكس صلاح ذواتنا على واقع أمتنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد