استطاعت الدولة المرابطية أن تتصدى للممالك النصرانية في الأندلس، وأن تمثل حائط الصد المنيع الذي ارتكن له المسلمون في شبه الجزيرة بعدما كاد الحكم الإسلامي في إسبانيا يضيع على يد ملوك الطوائف: الذين التفتوا للصراع فيما بينهم، وتركوا العدو الإسباني يفرض سيطرته ونفوذه على المدن الشمالية.

 

واستطاع العاهل المرابطي (يوسف بن تاشفين) أن يبني دولة قوية متماسكة، وأن يبسط سيطرته على المغرب والأندلس، مستخدمًا في ذلك قبائل (زناتة ولمتونة): الذين كانوا قوام جيشه الأساسي.

 

 

وبعد وفاة (يوسف بن تاشفين) تولى الحكم ابنه (علي بن تاشفين) الذي سار على نهج أبيه العظيم، فحافظت الدولة على حدودها المترامية، واستمرت في فرض نفوذها وسيطرتها، وعلى الرغم من تلك القوة التي عرف بها عهد علي بن يوسف، إلا أنه قد ظهر في ذلك العهد من الأحداث ما تسبب بعد ذلك في تحطيم الدولة المرابطية تمامًا، وأقصد بتلك الأحداث ظهور حركة (المهدي محمد بن تومرت).

 

 

فمن كان ذلك الرجل الذي شاءت الأقدار أن يهدم دولة ليبني أخرى؟

 

هو (محمد بن تومرت) من (هرغة)، وهي أحد قبائل مصمودة ، قومه كانوا يعرفون باسم (ايسرغينين)، ومعناها الشرفاء بلسان المصامدة، ورغم أن محمدًا لم يتزوج، ولم ينجب أبناءً، إلا أنه كان يتكنى بـ (أبو عبد الله)،

 

 

 

 

ولم يكن ذلك غريبًا فقد كانت عادة اتخاذ الكنية معروفة عند العرب،  والحقيقة أن وقت ميلاد ( محمد بن تومرت ) غير معروف على وجه التحديد، كما أن الكثير من المعلومات التي تتعلق بظروف حياته الأولى وعائلته تظل مبهمة إلى الآن ، ولكن على الأرجح أنه ولد في الفترة ما بين عامي ( 471هـ ، 491هـ ).

 

 

وكان أبوه من رجال الدين والعلم وإن كان فقيرًا رقيق الحال، أما نسبه فقد اختلف فيه المؤرخون القدامى اختلافًا شديدًا؛ ذلك لأن (محمد بن تومرت) بعد أن قام بدعوته ادعى أنه من ولد (الحسن بن علي)،

 

 

 

 

 

 

ويذكر لنا (ابن أبي زرع) نسبه قائلا: (فهو على ما ذكره المؤرخون لدولتهم محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن هود بن خالد بن تماح بن عدنان بن صفوان بن جابر بن يحيى بن عطاء بن رباح بن يسار بن العباس بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب) ، وقد وافق على صحة انتساب ابن تومرت للحسن بن علي عدد من المؤرخين من أمثال (ابن القطان).

 

 

و(ابن صاحب الصلاة) وهما من مؤرخي الدولة الموحدية، أما (محمد عبد الله عنان) فيرى أنه من المحقق الذي لا يقبل ذرة من الجدل أن محمد بن تومرت ينتسب إلى هرغة ومصمودة، وأنه قد ادعى ذلك النسب العلوي لتحقيق الشروط اللازمة لادعاء المهدية.

 

 

وتومرت كان لقب أبيه عبد الله؛ لقب به لكون أمه كانت تناديه بـ (يك تومرت)، أي صار فرحًا بلسان المصامدة، وقد عرف محمد باسم محمد بن تومرت وصار اسمه الأشهر، وتوارى اسمه الحقيقي (محمد بن عبد الله) مما أدى إلى حدوث الكثير من الجدل بين المؤرخين حول حقيقة اسمه، إذا كان اسم أبيه (عبد الله) على الحقيقة أم أن اسمه كان (تومرت)، وغيره محمد بعد ذلك لتحقيق شرط الاسم قبل ادعاء المهدية.

 

وقد لقب محمد منذ صباه بلقب (أسفو)، ومعناها بالبربرية الضياء؛ وذلك لملازمة إيقاد القنديل في المسجد للقراءة والصلاة، وذلك يبرز لنا التربية الدينية المبكرة التي تربى عليها المهدي بن تومرت كما يبين حبه للعلم الذي ظهر عليه في سن صغيرة.

 

 

وفي عام 500هـ تقريبًا خرج محمد بن تومرت من السوس الأقصى لطلب العلم، فرحل إلى قرطبة، ومكث فيها فترة ثم غادرها إلى المهدية، ثم عزم بعد ذلك على أداء فريضة الحج فاتجه شرقًا إلى مكة، وفي طريقه إليها مر على الإسكندرية، وأخذ العلم على الإمام (أبي بكر الطرطوشي) ثم قضى فريضة الحج، وبعدها سافر إلى بغداد وتلقى العلم على يد بعض من علمائها مثل (أبي بكر الشامي، المبارك بن عبد الجبار).

 

 

وهنا تروي بعض الروايات التي تذكر أن ابن تومرت قد التقى في بغداد بحجة الإسلام أبي حامد الغزّالي ، ويحكي ابن القطان تلك الحادثة في كتابه ( نطم الجمان )  ويروي كيف أن محمد قد أخبر الغزّالي بما فعله المرابطون من إحراقهم لكتاب ( إحياء علوم الدين )، وأن الغزّالي قد غضب لما سمعه، ودعا أن يكون مهلك دولة المرابطين على يد ابن تومرت، ولعل الطابع الأسطوري يبدو جليًا في هذه الرواية، وهذا اللقاء،

 

 

 

 

 

 

كما أن دعوة الغزّالي بهدم دولة المرابطين على يد ابن تومرت تمثل نوعًا من الإرهاص الغيبي الذي ساهم – ولا بد – في تشكيل ملامح النبوءة المستقبلية التي استخدمها ابن تومرت في سبيل نشر دعوته.

 

 

أما في التحقيق التاريخي لتلك الواقعة فإن الكثير من قدامى المؤرخين ومحدثيهم قد رفضوها وكذبوها، من أمثال (ابن الأثير وابن خلدون وابن الخطيب) من القدامى، و(ميلر وجولدسيهر) من المحدثين. وعلى الرغم من الطابع الأسطوري الذي غلف رواية التقاء ابن تومرت بالغزّالي، إلا أنه من المؤكد أن ابن تومرت قد تأثر كثيرًا بآراء وفكر حجة الإسلام، وهو الأمر الذي ظهر فيما بعد.

 

 

 

 

وبعد أن أنهى ابن تومرت رحلته في المشرق ، اتجه عائدًا إلى وطنه في السوس الأقصى، وكان قد استفاد من رحلته بشكل كبير؛ فصار عالمًا فقيهًا متبحرًا في علوم الكلام وعلوم الدين، وكان قد نزل المهدية كأول مدينة ينزل إليها بعد رحلته في المشرق، فبدأ في تطبيق منهجه الجديد في التغيير والدعوة إلى الحق، وإنكار الباطل، واشتد في ذلك؛ حتى قام بكسر أواني الخمور، وآلات الطرب والغناء، فلما ضج الناس من أعماله خرج من المهدية، ورحل إلى مدينة بجاية، ثم رحل إلى ملالة.

 

 

 

 

وكان في كل مدينة يذهب إليها يدعو إلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويناظر علماء تلك المدينة؛ حتى ينتصر عليهم ويثبت فساد كلامهم، وفي ملالة التقى ابن تومرت بعبد المؤمن بن علي  الذي أصبح أخلص أتباعه، وخليفته على أمر الموحدين من بعده .

 

 

 

واستمر ابن تومرت في تنقله من مدينة إلى أخرى حتى وصل إلى مراكش عاصمة الحكم المرابطي ، وهناك التقى بأمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين في مسجدها ، واشتد في لومه وعتابه ، وأمره بتغيير المنكر في البلاد ؛ لأنه هو المسئول عن الرعية.

 

 

 

 

ويبدو أن المنطق الذي استخدمه ابن تومرت مع الأمير علي قد أعجبه ، فطلب عقد مناظرة بينه وبين فقهاء مراكش ، واستطاع محمد أن يغلبهم جميعًا بمنطقه وعلمه ، فأحس بعض الوزراء بالخطر الذي يمكن أن يأتي من ناحية هذا الفقيه المصمودي ، وكان منهم (مالك بن وهب )الذي كان يرى ضرورة قتله ، بينما رأى (ينتان بن عمر) أن يطلق سراحه وأشار على الأمير علي بذلك الذي استجاب لنصيحة ينتان ، ورفض قتله .

 

 

وبعد ترك مراكش، رحل ابن تومرت إلى وطنه الأصلي في بلاد السوس، وبدأ في نشر علمه بين الناس، وأعلن أنه المهدي المنتظر في اليوم الخامس عشر من رمضان عام 515هـ، وعلى إثر هذا بايعه عشرة من أصحابه الملازمين له، وسمي هؤلاء بـ (المهاجرين الأولي)، ثم بايعه خمسون سموا بـ (أهل خمسين)، ثم بايعه سبعون فرد سموا بـ (أهل سبعين)، وكانت هذه الطبقات الثلاث تضم أخلص رجال وأنصار المهدي ابن تومرت.

 

وبعد أن بايعه أصحابه وعشيرته، صار لقبه هو (المهدي)، وبدأ يعمل على تنظيم الأنصار وتحريضهم على الخروج ضد الدولة المرابطية، فبدأ في التحريض بالمرابطين، واتهمهم بالخروج عن الدين القويم، وعن ميلهم إلى التجسيم، وسماهم بالمجسمين، كما أطلق على أصحابه اسم (الموحدين)، وهو يعني بذلك أن أصحابه هم الذي يفهمون معنى التوحيد الخالص.

 

ولما استفحل أمر المهدي بن تومرت، وذاع صيته في قبائل البربر، عرف علي بن يوسف أنه قد أخطأ عندما سمح له بالدعوة، ورفض حبسه أو قتله، ثم لما علم باستعداد المهدي لقتاله، أرسل جيشًا بقيادة ابنه (أبو بكر) لحربه، ولكن الموحدين انتصروا، واستطاعوا أن يهزموا جيوش المرابطين بعد ذلك في عدد من الوقائع .

 

 

وكان (المهدي بن تومرت) قد انتقل بعد ثلاث سنوات من إقامته في (إيجلي) إلى الإقامة في مدينة جبلية منيعة هي تينملل، واستخدم مناعتها الطبيعية في توفير مكان آمن له ولأتباعه؛ بحيث يستطيع إرسال الجيوش لقتال المرابطين دون أن ينشغل كثيرًا بتأمين عاصمته.

 

واستطاع الموحدون الانتصار – كما ذكرنا – على المرابطين في معارك كثيرة، حتى وصل بهم الأمر إلى حصار مراكش – عاصمة المرابطين – نفسها في عام 524هـ، وحدثت بين الفريقين معركة هائلة سميت بمعركة (البحيرة)، وفيها انهزم الموحدون هزيمة نكراء، وقتل منهم عدد كبير، وكان من بين القتلى عدد من أصحاب المهدي العشرة، وفر (عبد المؤمن بن على) بعدما أصيب ومن معه من الفلول الباقية من الجيش يوم السبت الثاني من جمادى الأولى في نفس هذا العام.

 

 

وكان المهدي وقتها مريضًا، فلما عرف ما حدث لأتباعه في البحيرة زاد همه واشتد مرضه، وأوصى لعبد المؤمن بن علي من بعده، ثم توفي في رمضان عام 524هـ.

 

 

وبوفاة ابن تومرت آل أمر الموحدين إلى عبد المؤمن بن علي، وهو ذلك الفتى الذي التقى بالمهدي في (ملالة)، وكان يريد الارتحال لطلب العلم فلما سمع كلام ابن تومرت ووعى حديثه انجذب إليه، واشتد تعلقه به، وقرر أن يتبعه ويصبح أخلص أصحابه، حتى إذا ما توفي المهدي نجده قد أصبح خليفته، وزعيم الموحدين الجديد.

 

 

هو إذًا إرث ثقيل على عبد المؤمن ولكنه استطاع أن يبين أنه جدير بالأمر ؛ فقد بدأ في تنظيم أمر الموحدين عقب انهيار قوتهم في معركة البحيرة الساحقة ، وبعدها قام باستكمال مشروع المهدي في القضاء على الدولة المرابطية ، فعمل على الاستيلاء على الحصون المرابطية واحدًا بعد الآخر ، وفرض سيطرته على بلاد السوس الأقصى كله.

 

 

وفي السابع من شهر رجب عام 537هـ حدث تطور هام في الصراع بين المرابطين والموحدين ؛ فقد توفي علي بن يوسف أمير المسلمين ، وتولى الإمارة بعده ابنه تاشفين بن علي الذي انقلبت عليه عدد من القبائل ، وانضموا للجانب الموحدى ، وفي عام 539هـ هدمت الدولة المرابطية بمقتل تاشفين بن على .

 

وبعد مقتل تاشفين بن علي بدأ عبد المؤمن في الاستيلاء على المدن الكبرى في المغرب ثم أعقب ذلك بالاستيلاء على أملاك الدولة المرابطية في الأندلس.

 

وبذلك تم إقامة دولة جديدة وهي (الدولة الموحدية الكبرى)، والتي امتدت حدودها في أقصى اتساع لها من برقة شرقًا إلى الأندلس غربًا، وتلقب عبد المؤمن بأمير المؤمنين، وادعى لنفسه الخلافة.

 

وبعد قيام دولة الموحدين كان لزامًا عليهم أن يكملوا ما بدأ به المرابطون في الأندلس من وقوف أمام (حروب الاسترداد النصرانية)، وأخروا بذلك من مصيرها المحتوم، وحاولوا أن يدافعوا عنها، فأصابهم التوفيق في بعض الأحيان، وأخطأهم في أحيان أخرى.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

• ) البيان المغرب في اخبار الاندلس والمغرب ( ابن عذارى المراكشي
• (الانيس المطرب وروض القرطاس في اخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس) على بن ابى زرع الفاسي
• (نظم الجمان في اخبار الزمان) ابن القطان
• (المعجب في تلخيص اخبار المغرب) عبد الواحد المراكشي
• (دولة الاسلام في الاندلس) محمد عبد الله عنان
• (المهدى بن تومرت: حياته وآراؤه وثورته الفكرية والاجتماعية وأثره بالمغرب) عبد المجيد النجار
عرض التعليقات
تحميل المزيد