أشعر بك أيها القارىء العزيز، وأنت تتساءل: أما آن لهذه السلسلة أن تنتهي؟ ولذا دعني أخبرك بأن ما أنقله لك عن شمائل وأخلاق المصريين القدماء ما هو إلا غيضٌ من فيض، فالمصريون القدماء بشرٌ مثلنا؛ عاشوا حياتهم كما نعيش حياتنا، وتعاملوا مع غيرهم كما نتعامل مع غيرنا، ومن هنا ظهرت تلك القيم التي تحلوا بها كما نتحلى نحن الآن بقيم لا تختلف كثيرًا عن تلك القيم التي التزموا بها، كما دعني أخبرك أيها القارىء العزيز بأن حديثي معك عن الأخلاق الفاضلة عند المصريين القدماء لا تعني عدم وجود رذائل، بل على العكس فإن أقوال حكمائهم التي أنقلها لك تدل على ذلك؛ فكثيرًا ما نرى الواحد منهم ينصح ابنه بعدم الوقوع في رذيلة ما والتحلى بالفضيلة المقابلة لها، وهذا إن دل فإنما يدل على وجود تلك الرذائل.

وبعد أن أطلتُ عليك في هذه المقدمة التي آثرت أن أبدأ بها حديثي معك اليوم بعد أن خشيتُ من أن تكون قد مللتَ، أحدثك اليوم عن خُلق من أخلاق المصريين القدماء؛ خلقٌ التزموا به وحثوا غيرهم على التحلي به؛ ألا وهو خلق حفظ اللسان، وهو الخلق الذي حثّ عليه ديننا الحنيف، كما حثت عليه الشرائع السماوية السمحة، فاستقامة اللسان وحفظه من خصال الإيمان، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه[1].

وها هو حكيمهم آني يحذر من انفلات اللسان ويدعو إلى مراقبته؛ فيقول: لا تُكثر الكلام وكن حذرًا حين تتكلم؛ لأن اللسان يسبب للناس النكبات، لا تكن من يحبون الخوض في الحديث عن الناس، ولا تتكلمن كثيرًا ولا تكن ثرثارًا، كن صامتًا لتكن سعيدًا، لا تدخلن بيت غيرك، ولا تُمعنن في النظر إلى الشىء المُنتقد في بيته إذ أمكن لعينيك أن تراه، والزم الصمت ولا تتحدثن عنه لآخر في الخارج.

أما الحكيم بتاح حتب فيدعو ابنه إلى الاستماع ويحثه عليه فيقول: إن الاستماع مفيد للابن الذي يُصغى، وأجمل بالابن أن يصغي عندما يتحدث إليه والده، والرجل العاقل يُعرف بعلمه وعقله ولسانه، فشفتاه تصيبان القول عندما يتكلم، وعيناه تبصران عندما ينظر.

أما الفلاح الفصيح فيقول في شكواه التى قدمها للملك: اجعل لسانك يتجه إلى الحق، ولا تضل، إن لسان الرجل قد يكون سبب تلفه.

ومن أقوالهم في ذلك أيضًا؛ قول أحدهم: لقد حافظتُ على نظافة فمي بعد إيذاء من آذاني، وأن انتباهي ويقظتي تُحول أعدائي إلى أصدقائي، إني أحكم فمي.

وقول آخر: لا تقترب الذم واحذر الذلل حين الحديث، واحرص أن تظل كالحارث.

في حين يدعو ثالث إلى التحلي بالصمت في المعابد؛ لأن علو الصوت يُغضب الرب؛ فيقول: لا يُحب الرب أن يتقدم المرء نحوه بعنف، تجنب أن يعلو صوتك في بيته، لأن الرب يحب الصمت.

أما أجمل ما قيل في الحث على حفظ اللسان؛ فهو ما أجمله لنا الحكيم آمون أم أوبي حين قال لابنه: اغرس طيبتك في جوف الناس حتى يحبك كل الناس، احفظ لسانك سليمًا من الألفاظ الشائنة؛ حتى تكون مفضلًا عند الآخرين، ومحترمًا في شيخوختك وتوارى في كفنك، ولا تفضح إنسانًا ائتمنك سره، واجعل الحسن منه على لسانك، أما القبح فاخفه في بطنك، ولا تخالطن الرجل الأحمق، ولا تقترب منه تحادثه، واحفظ لسانك سليمًا عندما تجيب على رئيسك، ولا تذمه واحذر الاندفاع في الاجابة، فالإنسان يبني ويهدم بلسانه.

كما ينصحه بكلمات ما أحوجنا اليها اليوم، فهي كلمات تُوزن بماء الذهب، حين يقول: لا تفض بسرك لإنسان، ولا تذع أقوالك لآخرين، ولا تصاحبن إنسانًا يكشف عما في قلبه، فالرجل الذي يحتفظ بأخباره في قرارة نفسه خير من الذي يفشيها فيصيبه الضرر، ولا تجعل كلامك يُذاع في الخارج حتى لا يتألم قلبك، فالإنسان يبني ويهدم بلسانه.


[1] – مسند الإمام أحمد، رقم 13048.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك