ومن أخلاق المصريين القدماء التي التزموا بها وحثوا غيرهم على التمسك بها؛ ذلك الخلق الفاضل الذي ما التزم به أحدٌ إلا وعاش سعيدًا في حياته مستمتعًا بمباهجها، فقد علم المصري القديم أن سعادته الحقيقية ليست بالغنى والثراء أو المنصب والجاه، وإنما بالقناعة بما يملك والرضا بما أوتي، ولذا فقد دعوا إلى الاستمساك بهذا الخلق الفاضل وربوا أبناءهم عليها، حتى أن ديننا الحنيف حث على هذا الخلق؛ فقد روى مسلم؛ عن عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عَنْهُمَا – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ».

وها هو حكيمهم «آمون أم أوبي» يُحث ابنه على الرضا، ويبين له أنه خير من الغنى المقرون بالهموم؛ فقول: خير للمرء قلب راضٍ من غنى مقرون بالهموم، واحذر الهموم لأن الإنسان لا يدري ما سوف يكون في الغد، فالرب دائمًا تدبيره المحكم والإنسان دائمًا في ظنونه الطائشة، وما يقوله الناس شيء وما يفعله الرب شيء آخر.

وفي نفس هذا المعنى يقول حكيم آخر من حكمائهم: خير للإنسان أن يعيش على خبز وماء مع راحة الضمير، من أن يعيش على لحوم وهو منغص البال.

كما يُوصي أحد حكمائهم ابنه بالاقتصاد في المأكل والمشرب؛ فقول: خسئ من شره جوفه؛ وإن قدحًا من الماء يروي غلة الظامئ.

في حين يوصي الحكيم «آني» ابنه «خنسو» قائلًا: إذا طعمت ثلاث كعكات وشربت قدحين من الجعة، ولم تقنع معدتك فقاومها، ما دام غيرك يكتفي بالقدر نفسه.

بل وينصحه بالرضا بما أعطاه الرب وعدم الاستيلاء على أملاك الآخرين: لا تركن إلى مقتنيات آخر، ولا تقل إن دارًا يمتلكها جدي لأمي، فالدار إذا ذهبت في قسمة إلى شركائك قد يكون نصيبك الكرار!

أما الحكيم «كاجمني» فبين لنا أن عدم القناعة «عار» يجب أن يتجنبه الإنسان؛ وخاصة فما يخص الطعام والشراب؛ فقول: لا تكن شرهًا فمن العار أن يكون الإنسان شرهًا؛ وإذا جالست قومًا فتعفف عن الطعام ولو اشتهيته فإنها برهة قصيرة تقهر النفس فها.

وحول هذا المعنى أيضًا يقول الحكيم «خيتي»: كن قنوعًا بطعام؛ وإذا كان يكفيك ثلاثة أرغفة وقدحين من الجعة، فإذ لم تكتفِ بطنك فحاربها.

ويحذر الحكيم «بتاح حتب» ابنه من الجشع فقول: احذر الجشع فهو مرض لا شفاء منه، لا تطمع إلا في ما هو نصيبك، لا تتجاوز عند القسمة ما يخصك.

أما نصائح «أمون أم أوبي» لابنه «حور» حول القناعة والرضا فرائعة وشاملة؛ فها هو يحثه على ذلك فقول: لا تندفعن بقلبك وراء الثروة، ولا تشغل أفكارك في أمور الخارج، ولا تجهدن نفسك في طلب المزيد عندما تكون قد حصلت بالفعل على حاجتك؛ لأن الثروة لو أتت عن طريق السرقة فإنها لا تمكث معك الليل، إذ عند مطلع الفجر لا تكون في بيتك بعد.

ويقول: لا تطمع في متاع إنسان ولا تتطلع جوعًا لخبزه، فإن متاع الغير لا خير فيه، لا تطمعن في متاع شريف، ولا تعطين مقدارًا عظيمًا في غذاء الخبز تبذيرًا، وانظر إلى الوعاء الذى أمامك واجعله يكفي حاجتك، ولا تزحزح الحد الفاصل، ولا تُحولّن موقع خط المقياس، ولا تطمعن في زراعة أرض، ولا تقذفن بحدود الأرملة، راقب جيدًا من يغتصب الأرض، لأنه يكون ظالمًا الضعيف، إن أجرانه تخرب، وأمتعته تُنتزع من أيد أطفاله، وأملاكه تعطى للغير.

بل ويدعوه للرضا والقناعة حتى في ملبسه؛ فيقول: اجتنب الكتان الجميل، فما فائدة ثوب من كتان فاخر إذا كان ضلالًا أمام الرب؟ وإذا كانت قشرة من الذهب توضع على سبيكة تظهرها ذهبًا خالصًا، فإنها في الصباح تنقلب إلى قصدير.

وهكذا يتضح لنا؛ أن المصري القديم عرف معنى السعادة الحقيقية، وسعى نحو التحصل عليها؛ من خلال تمسكه بهذا الخلق الكريم وغيره من الأخلاق الفاضلة التي التزموا بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات