بداية يجب أن نتفق جميعًا على أن الطفل السوري عمران دقنيش الذي لم يتعد السنوات  الخمس، والذي أخرج من تحت الأنقاض بعد غارة جوية قامت بها الطائرات السورية والروسية في حي القاطرجي بحلب، في مشهد يهز الأفئدة وأبكى الجميع، وما اعترته من صدمة جعلته صامتًا لا ينطق ومذهولًا عن كل شيء، ويمسح بيديه الصغيرتين الدماء التي تسيل على وجهه بمقعد الإسعاف الذي يجلس فيه ويتلفت بعدها حائرًا، والذي هو في البداية والنهاية مثل أبنائنا الذين نتمنى لهم عيشًا آمنًا وكريمًا، إنما هو أكبر شاهد ودليل على أن ما يقوم به نظام الأسد النصيري من قمع وتدمير بكل آلات الحرب على الثوار وعلى الأبرياء السوريين، دونما تمييز بين كبير أو صغير، وبمشاركة الروس وإيران الشيعية، والجنسيات المختلفة والمرتزقة التي تداعت في القضاء عليهم، ما هو إلا جريمة شنعاء بكل المعايير في حق السوريين رجالًا ونساءً وأطفالًا، وبنفس القدر وربما بقدر أكبر جريمة في حق الإنسانية، ووأد للطفولة البريئة من دون ذنب اقترفته، وربما تفوق النظام في ذلك تفوقًا كبيرًا على كل الطغاة والجبارين في العالم! ومع هذا فإن حالة الطفل عمران دقنيش، ومن سبقوه من الأطفال الذين أزهقت أرواحهم  بغازات السارين والكلور المحرمة دوليًا، أو ماتوا حصارًا بالجوع والسغب، أو تطايرت أشلاؤهم بالبراميل المتفجرة وبصواريخ طياري الأسد المخلصين، لم تشفع حالتهم بشيء لدى النظام النصيري الذي عصب عينيه وصم آذانه عن كل شيء، والذي أودى بأرواح أربعمائة ألف من الأبرياء، وأهلك الحرث والنسل طيلة السنوات الخمس!

والمحصلة في ذلك – فيما أتصور – هو التحطيم النفسي لهولاء الأطفال الأبرياء، وإعاقتهم بعاهات بدنية وعلل نفسية وبنفس القدر لذويهم، إذا ما تخطاهم حمام الموت، وهو ما يلاقيه أطفال فلسطين من اليهود النجس، وأطفال العراق وليبيا واليمن وأطفال الإخوان المسلمين في مصر، مثل الطفل رمضان إبراهيم الذي أبكى الملايين عندما كان يبكي وقتها في المستشفى الميداني في رابعة العدوية، وهو يغطي وجهه بيديه وينادي أمه هبة التي كانت ممددة على الأرض بعد أن فارقتها روحها إلى بارئها وحولها جمع من الناس، ينادي أمه «اصحي يا ماما يا ماما اصحي بالله عليكي»، وهي التي تم قتلها وتصفية عدد كبير معها من الإخوان المسلمين في أحداث فض اعتصام المؤيدين للرئيس المعزول الدكتور محمد مرسي في رابعة العدوية، وما ذكرته جدة الطفل رمضان إبراهيم بأنه كان طيلة ثلاثة شهور عقب مقتل والدته هبة كان يبكي بكاءً مرًا، وينادي بنفس صيحاته الموجعة ويسأل جدته أين ذهبت ماما، ولماذا، وهل أغضبها لأنه كان لا يسمع كلامها في بعض الأحيان، وهل ستعود، وهل إذا اجتهد في دروسه ونجح في الصف الخامس الابتدائي سوف تعود أم أنها فارقت للأبد، ما ذكرته الجدة يؤكد حجم الحزن الذي يعتصره على فراقه الأبدي لوالدته الرؤوم، ومع هذا فإنه رضي بأمر الله وقال في حديثه مع مراسلة الأناضول «أنا كويس (حسن) الحمد لله. بروح الجامع، مبقتش زعلان (لم أعد حزينًا) هي (يقصد أمه) في مكان أحسن من هنا».

ومن المؤكد أنه يوجد عمران ورمضان غير الذين أشرت إليهم في عالمنا العربي ممن لحقتهم تبعات الحروب واكتووا بنيرانها، وذاقوا شرها، وممن كانوا ضحية للتسلط والاستبداد، ولا أجد حاجة للسؤال عن المخرج من كل هذا. لماذا؟ لأن الإجابة معلومة لدينا، ومع هذا نتعامى عنها ونتناساها  ونتجاهلها من أجل مخططات ترسمها القوى التوسعية والاستعمارية الجديدة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ذنب
عرض التعليقات
تحميل المزيد