العاطفة الجياشة التي ظهرت في الغضب من جراء الإساءة إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، في الأيام القليلة الماضية هي شيء محمود بلا شك، ولا نستطيع أن نلوم أحدًا على ذلك، بل يُحمد صاحبها على المشاعر المتقدة والقلب العامر بحب النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

 النُصرة الحقيقية

 لا بد في البداية – لنسد باب المزايدات الرخيصة – أن نؤكد أن كل عمل أو قول يسيء إلى الإسلام والمسلمين هو عمل عنصري وضيع، نرفضه بغض النظر عن قائله، كما يجب الرد عليه بالوسائل التي لا تخالف قيم الدين الحنيف وأخلاقه ومبادئه، وأن تراعى في ذلك قوانين البلاد التي يعيش فيها المسلم. وأشير هنا إلى أنه ليس من أهداف المقال تعيين الطرق والوسائل في الرد على الإساءات، ولا الكلام عن التناقضات الأخلاقية والازدواجية المعيارية الظاهرة في التعامل مع المسلمين وغيرهم من مكونات المجتمعات الأوروبية، ولكن الهدف منه هو تسليط الضوء على طبيعة الأزمة الداخلية التي تحيط بنا، ومحاولة توصيف حجمها، ورسم معالم طريق التغيير (على الأقل في هذا المضمار)، وذلك ليس إمعانًا في جلد الذات والمبالغة في تحميلها اللوم، ولكن إيمانًا مني بأن التغيير لا بد أن يحصل على المستوى الداخلي أولًا، أما إن وجدنا المشكلات الداخلية متراكمة عصية على الحل منذ عقود، فلا يجب أن يدفعنا الملل أو مخافة اللوم إلى غض الطرف عنها، ولا مشكلة في الإعادة والتكرار حتى ينصلح الحال.

 فيما يخص الإساءة إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فإذا كان ما نريد هو مجرد ردة فعل أو تسجيل موقف، فإن الغضبة التي نشاهدها تُحقق ذلك ولا حاجة أن نزيد عليها شيئًا، أما إذا أردنا محاولة الحدِّ من هذا الازدراء بمقدسات المسلمين مستقبلًا فالكلام له مسار مختلف؛ لأن الحقيقة المرة أن المشاعر مهما كانت قوية لن تغير في المعادلة شيئًا؛ إذ إن المسلمين لم يعد لهم وزن، ولا يحسب لهم أحد حسابًا في عالم تحكمه القوة والمصالح والتوازنات الدقيقة، وهذا الحال هو ما يستوجب أن تُسكب العبارات عليه، ويجب أن نستغضب أنفسنا في سبيل تغيير أحوالنا إلى حال تمتنع عنده هذه التصرفات الرعناء.

 ونحن حينما نبحث عن هذه العاطفة السيالة عند انتقاض عُرى الإسلام، فإنا لا نجد ما يشفي الغليل. أين الضجيج وأين الغضب لضياع العدل والشورى فيما بيننا، وكذلك لانتهاك حرمات المسلمين في كل مكان؟ أين الحمية على الانحلال الأخلاقي والتفكك الأسري؟ أين الغضب على انحسار الإسلام وقيمه في قلوبنا وتشتت المسلمين في واقعنا؟ أين الاحتجاجات على فقدان الريادة الفكرية والحضارية؟ أين التحرُّق للإصلاح والبحث المحموم عن طريق النجاة؟

وليس المقصود هنا أن المراد هو مزيد من البكاء على الأطلال، ولا أن نعزز الظاهرة الصوتية حزينة النغمة، ولكن المطلوب هو أن نشعر بالألم لحالنا، وأن تتحول هذه المعاناة إلى فاعلية في الواقع، وآثار مضيئة في المستقبل (ليس هذا مقام للتفصيل في الكيفية الآن).

محمد، صلى الله عليه وسلم، مقامه محمود بين أهل الأرض وأهل السماء، لا يرتفع إليه أحد من الإنس والجن، وذلك بحفظ الله ووعده له، وما بعثه الله إلا رحمة للعالمين، وهذه الرحمة ستنعم بها البشرية عندما تعرفه حق المعرفة، وتستفيد من المعاني الراقية المبثوثة في سيرته وتعاليمه العطرة. وتبليغها منوط بأتباعه، أما إذا اتخذوا في حياتهم طرقًا تناقض ما وصاهم به، فكيف يكون الحب صادقًا، وكيف يؤتي هذا الدفاع ثماره، وقد أعرضوا عن نوره الذي أضاء لهم تاريخهم ودفع حضارتهم إلى القمم، وتقاعسوا في طرْق أبواب علوم السير في الأرض، وعلوم النظر في عواقب الأيام الغابرة؟

 إن النصرة الحقيقية ليست النصرة لشخص النبي، صلى الله عليه وسلم، فحسب، ولكنها في تطبيق تعاليمه وتوصياته في حياتنا وأخلاقنا وتعاملاتنا. لقد تسامح هو نفسه صلوات الله عليه مع المسيئين لشخصه في الطائف من أجل أن تتجلى لهم أنوار دعوته ورسالته ولو بعد حين. ألا يعد الانحراف عن طريقه إساءة له بشكل أو بآخر؟! أين نحن من «اقرأ» وهي أول ما تنزل عليه من فوق سبع سماوات؟ أين نحن من قوله «إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ، فَإِنَّهُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وقد فاضت حياة المسلمين بالظلم؟ أين نحن من قوله تعالى {إنما المؤمنون أخوة} وقوله عز وجل {..رحماء بينهم..} وقد صار بأسنا بيننا شديد؟
أين نصرتنا للمقدسات الضائعة، والعلماء المسجونين، وأين نصرتنا للمستضعفين والمقهورين والمشردين، وأين نصرتنا للأطفال اليتامى والنساء الثكالى…

صحيح أنا لا أريد هنا أن نمارس جلد الذات، ولكن يجب أن نعرف أنا قد أسأنا لنبينا ولأنفسنا بالتنكب عن منهجه وسيرته، فلا نستغرب عندما تأتي الإساءة من الغير، لذلك فإن النصرة الحقيقية هي نصرة شاملة، وتبدأ بإصلاح أنفسنا وإعادة تفعيل المعاني والقيم التي جاء به المصطفى في حياتنا، لكي تهبها معنى، وتبث في نفوسنا كرامة وعزًّا. نعم، إن هذا الطريق طويل لكن ليس له من بديل. هذا إن كنا نريد أن نكون واقعيين، وأن ننتقل من صناعة الظواهر الصوتية إلى صناعة الفاعلية الواقعية.
ولا يعني هذا الكلام بأي حال أن نقف الآن مكتوفي الأيدي، ولكن يجب أن نسعى في حدود الممكن.

 الغضب الإيجابي فعلٌ وانسجام

 ولو تفكرنا في سبب عدم التفاعل الحقيقي والبنَّاء مع ما أسلفت من الكوارث والآلام الحاصلة لقلنا: نحن لا نغضب لأنا لا نشعر بما يجري من حولنا وفي داخلنا، ولكن إذا سمعنا الإساءة بآذننا انتبهنا فغضبنا، وأرغينا وأزبدنا، وبعد أيام نعود فنرقد رقدتنا السابقة، وتعود المباضع تعمل في أجسادنا تقطيعًا وتشويهًا ونحن لا نشعر، وقد يأتي يوم تُقطع فيه حتى الأحبال الصوتية. فلا يقوى أحد حتى على النطق بكلمة أو التلفظ باعتراض.

ويجب أن ندرك أنه هناك فرقًا بين الغضب المتمخض عن شعور المساس بالهوية، التي هي جزء من الأنا، وشيء من الذات والذاكرة. وهو الشعور ذاته الذي يتولد عند المساس بالوطن والأهل والعشيرة وما شابه؛ مما يحدد الانتماء والعصبية عند الإنسان.
وهناك غضب لرسول الله حامل الرسالة، بصفته المعلم الهادي الممثل العملي لرسالة التوحيد. إنه شعور مرتبط بالرسالة والمنهج.

الغضب الأول قد يأتي على شكل عاصفة شعورية من شخص بعيد عن منهج الحبيب، يدفعه إلى الانتقام للذات التي مستها الإهانة بأي طريقة تتوفر له، وبعد أن يشفي غليله سرعان ما يعود لحالته الأولى المخالفة في كثير من نواحيها لتعاليم النبي الأكرم.

أما الثاني فهو غضب لا تكون للذات فيه نصيب، إنما للمنهج والرسالة وقيمها، فلا يمكن أن يخرج عن تعاليمها، لأنه يغضب من أجلها، وهو حريص على ألا يضيّعها أو يشوه صورتها. إنه غضب ناتج من آلام قديمة تحركها الهزائم المتتالية، ولا يمكن أن ينطفئ إلا بتحقق التأثير العملي، وتغيير الواقع، وبعد قطف الثمار الموعودة من جراء الجهود المبذولة. إنه غضب إيجابي يحكمه الانسجام بين شعور الغضب الداخلي والسلوك الخارجي، لا التناقض بينهما كما في النوع الأول. ونحن نريد أن نرتقي لنكون من النوع الثاني.

لقد غضب المسلمون سابقًا لحادثة مشابهة حصلت في الدنمارك، لكن ذلك لم يمنع فرنسا ورئيسها من تكرار السلوكيات نفسها. وهذا يعني أن الإساءة لا تتوقف بهذا المسلك، ومنذ متى يأبه الماكرون بعواطف الطيبين؟!

مسلمو أوروبا والواجب الراهن

أما المسلمون في أوروبا فيجب أن ينطلقوا من منطلق المواطنة للمطالبة بحقوقهم في احترام مقدساتهم، مثلهم مثل باقي الأديان والطوائف والأعراق، وذلك عن طريق العمل المؤسسي والفكري والإعلامي والسياسي، والمشاركة الاجتماعية وغيرها من المسالك المعروفة، ولكن ليس بالسعي إلى تطبيق الحدود، لأنا لسنا في بغداد أيام المعتصم.

ولا بد أن نعلم أن الغرب ليس نسيجًا واحدًا، فهناك الكاره للإسلام، وهناك الكاره لكل الأديان، وهناك المحايد، وهناك المتعاطف. وحصة كل من هذه الدوائر معرضة للتغير الدائم بحسب الظروف والأحداث، ومرتبطة بطبيعة الحال بأداء المسلمين في تلك البلاد في مختلف الميادين، وقدرتهم على الفعل في مجتمعاتهم والتفاعل مع قضاياها. وهكذا نحن لا نتحدث عن قوالب إسمنتية صلبة شُكلت في مرحلة تاريخية سابقة ولا يمكن تغييرها الآن. وهذا الاعتقاد يحرم المسلمين من الأمل والإيمان بقدرتهم على التغيير، ويسلمهم إلى اليأس والسلبية والنظرة الحاقدة المَرضية إلى الآخر دون تمييز بين الصديق والعدو.

التعامل مع النصوص الشرعية في استخراج الأحكام

أما فيما يخص الحكم الفقهي لساب النبي، صلى الله عليه وسلم، يستطيع أي أحد أن يقول ما شاء، ولكن من لا يملك الأهلية العلمية لا نلتفت إلى كلامه، وقوله في هذه المسائل وسكوته سواء.
إن التعامل مع النصوص ليس بالأمر السهل كما يخيل للبعض، فوجود النص أو الأثر في مسألة معينة لا يعني إمكانية استقاء الحكم مباشرة من النص دون اعتبار الملابسات والمقتضيات والأحوال، فلا بد أن نعمِل القواعد اللغوية الأصولية والقياسات المنطقية، والبحث عن المعارض والترجيح بينهما إن وجد، وعرض الحكم الجزئي على الكليات الشرعية المستفادة من استقراء نصوص كثيرة، والموازنة بين الأضرار والمنافع، والنظر في المآلات، واعتبار المقاصد. وإذا أردنا أن يكون التنزيل محكمًا، لا بد من فهم الواقع فهمًا عميقًا، ولا بد من معرفة الموازنات الدقيقة التي تحكمه، وإدراك طبائع الناس الذين يتنزل عليهم الحكم.
إني لأتعجب ممن يتجرأ على الاجتهاد وهو لا يملك أدواته، فالبعض لا يميز بين العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبيَّن، ولا يميز بين المحكم والنص والظاهر والمشكل والمتشابه، ولا يعرف شيئًا عن مفهوم المخالفة والموافقة والإيماء والإشارة. ولا يميز بين العام الذي أريد به العموم، والعام الذي يدخل فيه الخاص، ولا بين الظاهر الذي يؤخذ على ظاهره، والظاهر الذي يراد منه غير ظاهره.. إني لأتعجب أشد العجب من جرأة هؤلاء والتقول في دين الله بغير علم أو هدى.

والناظر في الأدلة النصية يجب أن يعرف طبيعة المدارس (القديمة والحديثة) ومناهجها في التعامل مع النصوص؛ إذ إنه لا بد أن يتبنى إحداها لاستخراج الحكم أو تأييده، أو الرد على مخالفه، مثل المذهبية التقليدية، والمذهبية التقليدية الحديثة، والظاهرية، والظاهرية الجديدة، والمدرسة المقاصدية، والمدارس الحداثية وما بعد الحداثية، بالإضافة إلى ضرورة معرفة إشكاليات المناهج المعاصرة مثل البنيوية والتفكيكية والواقعية والتاريخانية، ومبدأ التناص وفكرة موت الكاتب وموت الحقيقة، وما شابهها من مقولات يُراد بها التشغيب على التعامل المتوازن والرصين مع النصوص الشرعية.

ومقولة إمكانية استقاء الأحكام مباشرة بالرجوع مباشرة إلى الكتاب والسنة دون الحاجة إلى ما ذكرت من مناهج استدلالية عقلية هي مقولة متهافتة، تنم عن جهل بالشرع والاجتهاد؛ إذ إن النصوص هي مادة الأحكام الخام، ولكن لا مناص من استعمال المناهج المذكورة في ترتيب الأدلة الكلية واستخراج الأحكام الخفية استنباطًا أو قياسًا أو استصلاحًا أو استحسانًا أو استصحابًا أو تقصيدًا أو سدًّا للذرائع أو فتحًا لها.

وهناك غيرها من مسالك الاجتهاد التي تفرض على الجاهل بها أن يربأ بنفسه عن الخوض فيما ما لا يحسن، وأن يحترم مقام الدين والعلم.
وباختصار وجود النص لا يعني معرفة الحكم لكل أحد، وإلا كان القول في دين الله مشاعًا لكل أحد.

وحتى النقول التي يُدعى فيها الإجماع في المسألة فيها كلام، ومبدأ الإجماع نفسه فيه كلام كثير عن حقيقة وجوده من عدمه، فالبعض يرى الإجماع هو إجماع الصحابة، والبعض يتوسع أكثر فيجعلها إجماع علماء في زمن معين، وبعضهم يضيِّق الدائرة فيرى الإجماع مقصورًا على الخلفاء الراشدين، ومنهم من يحصره في أبي بكر وعمر. وبعضهم يحصي الإجماع في مسائل قليلة لا تزيد على المئة، وبعضهم ينكر وجوده أصلًا، ولقد ادُعي الإجماع في مسائل ليس فيها إجماع، وذلك نصرة للمذهب أو لسد الباب على المخالفين. ومهما يكن فإنه من الملفت للنظر أنك لا تجد تعريفًا يتفق عليه الجميع (أي يشكل إجماعًا) في تعريف الإجماع!

من التفاعل التجزيئي إلى التفاعل الكلي

كل ما سبق موجه إلى المسلمين لأن الأمر بيدهم، ولن نجد حلولًا حقيقية باقتصارنا على معالجات جزئية مؤقتة تتسم بردة الفعل، وتشوبها المناكفات الفقهية والعقائدية، وأنا على يقين تام أنه ليس هناك حلول لكل الأزمات التي نعيشها، إلا بمعالجة داخلية كلية وشاملة، وعندما ينصلح الداخل، فإن المشكلات الخارجية تصبح تحصيل حاصل، وأمرها يسير بإذن الله.

ولا حرج أن يستمر الناس في إطلاق الحملات الإلكترونية التعريفية، وتغيير صور البروفايل نصرة للهادي، لعله يحصل بذلك نفع، ولكنه سيكون محدودًا على الأرجح، ولا يجب أن نقتصر عليه. ولذلك فإنا الآن بين طريقين: طريق نتحمل فيه المسؤولية ونُتبع الغضب عملًا يمكث في الأرض، أو نبقى ندور حول أنفسنا، ونخاطب ذواتنا، وننتظر المناسبات الحزينة المتزايدة لتفريغ مشاعرنا الدفينة. ومن أراد وسعى وبدأ المسير، لن يعجز في إيجاد الطريق والوسيلة، والوصول مضمون، كما يهمس التاريخ في آذان العاملين.

ولا بد في النهاية أن نعرف أن المسألة ليست حادثة استثنائية خارجة عن سياق الأحداث، نريد أن نمنع تكرارها، لكنها صفعة متجددة، وإشارة متكررة إلى مزالق الانحراف ومآلات الطريق الذي نسلكه، وأن المسألة مسألة أمة ضائعة، وحضارة ذاوية، وهمة باهتة وفكر معلول. ولو ظننا أن الأمر غير هذا فقد استرحنا واستراحت عقولنا.

وعليه يجب على المسلمين أن يجهزوا أنفسهم للإساءات بالقدر الذي يمكنهم أن يتجرعوا الذل والهوان، فإن قالوا كفى وصدق العزم، فسيُكفوا لا محالة والله حسيبهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد