سقط الظلام على أمة كنت أظنها أُنيرت في وقت مضى، وسقط معه كل شيء، ولم يبقَ لنا إلا الجهل يؤنس وحشتنا التي اعتدناها؛ فأصبحنا نبحث عن أي لص نمنحه أعمارنا عساه يستفيد منها بدلاً من جلوسنا نراقب عقرب الثواني يمر أمامنا في بطء شديد ناسين أننا سنُسأل ذات يومٍ عن عمرنا فيما أفنيناه.

 

إني أؤمن أن سفينتنا ستبحر؛ ستبحر يومًا إلى حيث نشتهي لا إلى حيث تشتهي الرياح – تبًا لرياح حملتنا ذات يوم إلى حيث اشتهت- إني أؤمن بأنا سنمتلك يومًا العشرة عصافير الموجودين الآن على شجرة أدمت يدانا حين حاولنا تسلقها، يومًا سنأوي جميعًا إلى جبل يعصمنا من الجهل؛ يومًا ما سيحدث كل هذا حتمًا سيحدث.

 

لكننا نعيش في وسط غير قابل لتطوير الذات، وقد لخص الحالَ الشاعرُ «تميم البرغوثي» في قصيدته:

«في العالم العربي تعيش

كما قط ساكن تحت عربية

عينيه ما تشوفش م الدنيا دي حاجة إلا الجزم

 

في العالم العربي تعيش

كما بهلوان السيرك تحتك بهلوان دايس عليه

وفوق دماغك بهلوان دايس عليك

والكل واقف محترم

 

في العالم العربي تعيش،

مباراة بقى لها ألف عام

لعيبة تجري يمين شمال

والكورة طول الوقت في إدين الحكم».

 

ربنا أخرجنا من هذه القرية العادل- لا شك- أهلها؛ أصبح هذا الدعاء بمثابة رفيق الدرب ولا تلوموني فقد أصبح الجسد العربي تربة غير صالحة لغرس فسيلتي إذا ما قامت الساعة.

 

وأذكر أني قرأت مقالاً لد. مصطفى محمود في كتاب «الشيطان يحكم» بعنوان «كيف تكسب ألف جنيه فورًا» وكان يدور حول تلك المسابقات البلهاء التي اكتسحت العالم العربي -خاصة- تحت عنوان اكسب كذا جنيهًا أسبوعيًّا، ثم أخذ يتحدث عن تدرج الإنسان البدائي إلى حيث انتهى الآن في عصرنا هذا من تقدم علمي وفكري في شتى المجالات، ثم يشير في نهايات المقال إلى أنك لو أردت أن تكسب ألف جنيه فورًا فلتقدم عملاً مقابلاً لقيمة الألف جنيه، وهنا مربط الفرس وملخص لكثير مما سأحاول قوله.

 

إذن لماذا لا نجتهد ونغير مقعدنا المألوف! ونسابق الزمن علنا نصل لسرعة الضوء عبثـًا فنتذوق لذة الحياة الأبدية، إننا لن نصل إلى شيء بمجرد التمني؛ ولنقرأ ما نريد من أحلام بدقة شديدة؛ فكثيرًا ما خدعتنا العناوين.

 

أيتها القضبان! أيتها القيود التي قيدنا بها أنفسنا عمدًا فلتنكسري، ولتتركي لنا يومًا عناء الاختيار، دعي أرواحنا تتألق في سماء الإبداع، أيها السادة لا تنخدعوا فالبقاء للأقوى على هذه الأرض؛ وأما «السلام» فما هي إلا كلمة تكونت حروفها من المدافع، وحركتها التشكيلية من ذخيرة غير قابلة للفناء، ومعانيها ما هي إلا مقدمات حروب أما من كان ناطقـًا بها فلم يكن إلا أحد السفاحين، أرجو أن تتفهموا أن البقاء للأقوى سيظل الشعار الأبقى للأرض ما دام عليها بنو البشر.

 

ولا أعرف لم العجلة؟! لماذا نبحث دائمًا عن النهايات! – يا صديقي- نحن لن ننتهي حتى نبدأ، إننا مازلنا نبحث عن البداية، لقد ضعنا! بعد أن كنا أمة ثائرة باقية، صديقي إننا لا نبحث عن شيء هين إننا نبحث عن مجد ضائع و«يجب أن يتناسب حجم المقاومة مع قيمة ما يدافع المرء عنه» كما قال د. أحمد خالد توفيق في رواية «يوتوبيا» -على ما أتذكر-

 

لقد مللت تلك الكلمات التي هي أضعف بكثير من أن تحرك ساكنًا، الكلمات التي كانت دائمًا كلوثةٍ أصابت عقولنا، فأصبحنا نهذي بها كلما أحسسنا بالنقص أو بالعجز، الكلمات التي لم تكن يومًا إلا نبيذًا يبعدنا عن واقعنا العربي المرير ويأخذنا إلى عوالم الخيال إلى حيث لا أحد إلا أنت والكلمات، ذاك هو الملجأ الوحيد للهروب من كونك عربيًا أو ارض بواقعك الكابوسي واعمل؛ اعمل علك تغير نفسك أولاً ثم من حولك إن كانوا هناك.

 

إني أعلم أنك لم تستفد شيئًا من مقالي هذا؛ ولكن هذه هي الكلمات تعطيك بريقـًا يثيرك لكن لن يفيدك قيد أنملة، وتذكر أني أخبرتك في البداية أن كثيرًا ما تخدعنا العناوين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد