تاريخ الناس مليء بالعظماء الذين أحبهم الناس واتخذوهم منارات تضيء لهم طرق الحياة وتوضّح لهم أحسن الطرق للعيش، ولكن غالبًا ما تكون عظمتهم في مجالٍ ما دون غيره أو في فترة من حياتهم دون غيرها أو مثيرة للانتباه ثم تنطفئ جذوتها بعد حين، أما أن تجد عظيمًا شملت عظمته كل شؤون الحياة وكانت مصاحبةً له طيلة حياته واستمرت جذوتها متقدةً بعد مماته إلى يوم الناس هذا فذاك مما يثير عجب المتفكر وإعجاب المتأمل، وهذا إن ينطبق على أحد فليس أجدر بها من محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.

الإنسان مجبولٌ بفطرته على الامتنان لمن قدّم له خيرًا أو أعانه وساعده، ويكون امتنانه على قدر ما حازه من فضل وخير، وهذا يجعلني كثير الامتنان جمَّ العرفان والشكر لمحمد النبي الذي كان سببًا في توضيح طريق الحياة الطيبة في الدنيا والسعادة الأبدية في الآخرة.

جاء سيدي محمد ليخبرني – بما أوحاه الله إليه – لماذا أنا في هذه الحياة وكيفية أداء مهمتي وجزائي في حالتي التفوق أو التقصير، وقبل هذا ليؤكد لي أن لهذا الكون إله واحد بيده الأمر كله وراح يثبت لي بالأدلة والحجج صحة كلامه، كل هذا جعلني أعيش في هذه الحياة واضح الوجهة متبين الغاية لا أذوق مرارة الحيرة ولا وجع التيه.

لم يكن سيدي محمد مجرد ناقل رسالة من الله – وهذا شرف عظيم – بل كان مثالا وتطبيقًا عمليًا لهذه الرسالة، فعندما أتتبع سيرته أجده يفعل كل أمر جاءنا به وينتهي عن كل نهي نهانا عنه.

إنّك حين تنظر في سيرته إلى علاقته بربه وديمومة ذكره وتبتله تقول إن هذا شخصٌ لا علاقة له بالناس فهو منقطع لعبادة ربه وذكره، وحين تنظر إلى سياسته وإدارته لشؤون دولته الداخلية وحروبها الخارجية تقول إن هذا شخص سياسي دار في دهاليز القصور، فهو هذا وذاك في نفس الوقت، تطبيق صادق لقيمة التوازن بين السعي للحياة الطيبة في الدنيا وبين السعي لجنة الآخرة وكل ذلك يندرج تحت غايته العليا(رضا الله).

هو قدوة يسهل الاقتداء بها لأننا نمتلك توثيقًا تفصيليًا لحياته كلها بلا غموض يحتاج إلى تفسير أو تأويل، وليس في حياته الطاهرة ما نضطر لإخفائه أو تدليسه، بل إنها جاءت مثالًا للكمال البشري الذي يمكننا الاقتداء به.

إنني لستُ مجرد قارئ أبهرته سيرة شخصية سيدي محمد حين قرأها وسمع عنها، بل إنني مؤمن به رسولًا اختتم الله به رسالاته السماوية الممتدة عبر تاريخ البشر وأنه طريقي الوحيد للوصول إلى الله والفوز بجنانه، وأرى أن من نعم الله علينا أنه سبحانه جعل الطريق إليه يمر عبر شخصية عظيمة مثل سيدي محمد فأجدني أتبعه امتثالًا للأمر الإلهي وأيضًا حُبًا له وتقديرًا لفضله وإقتناعًا برسالته وإجلالًا لشخصه الفاضل.

كثيرًا ما تجتاحني نوبات شوقٍ إلى سيدي فأتقلب أصلي عليه وأدعو الله أن يحشرني معه في الآخرة لأتعرف عليه أكثر وأكثر، وأبكي عجزي عن رؤياه في الدنيا متصلًا ببكاء رجائي لقياه في الآخرة.

عزائي الأول عند كل مصيبة تواجهني في هذه الحياة هو سيدي محمد، فالانشغال بالمصاب الأكبر يعزي عن المصاب الأصغر وأنا باعتباري مدّعيًا لحبه والإيمان به لم أُفجَع بأشد من موته حتى وإن لم أحضره، ففكرة أن بعض الناس أتيح لهم لقياه والعيش معه وأنا لستُ منهم في ذاتها فكرة مؤلمة حد الفجع.

لقد أخبرنا أنه سيلقانا يوم القيامة ويستقبلنا، ولكنني أتساءل كثيرًا عن مدى استعدادي لهذا اللقاء وعن مدى فرحة سيدي بي حين يلقاني، وانا أحيا على أمل هذا اللقاء وأشغف له شوقًا.

أعلمُ جيدًا أن حالي ليس بالذي يؤهلني لصحبته في الآخرة، وبأننا طالما أذنبتُ وقصرتُ وتنكبتُ عن طريقه، ولكنني أحبه حقًا وأغالب نفسي وشيطاني لأستمر على هديه وأحمل همّ هذا الدين وأسعى لإقامته وتشغلني كل أمّته بكل أحوالها، فلعل الله يشملني برحمته ويعينني للتعبير الصادق عن حب سيدي بما يؤهلني للقياه في الآخرة.. فتلك والله غاية المنى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات