بالكلمات التي اختتمت بها شيرين أبو عاقلة آخر رسالة منها للجزيرة أبدأ.

بالفعل قد انتظرت مرور الأيام الأولى ريثما تتضح الصورة، ريثما يتجلى المشهد كاملًا من بداية الصاعقة وما تلاها، وما زلت ككل فلسطيني يتجرع الأسى، ويكابد مرارة فقدان فرد من أعز أفراد العائلة إلى قلبه.

في قصيدتهُ آخر ما حُرفَ مِن التوراة قال الشاعر المصري هشام الجح خاتمًا القصيدة «في القدس لي أرضٌ، ونخلٌ، وغُلامةٌ كانت تُخبئ كل أسرار المحبة في، لا أطلبُ المسجد الأقصى، إني أطالبُ بعشقي، وللبيت ربُ يحميه».

هكذا هي شيرين أبو عاقلة بالنسبة لي ولكل أبناء جيلي من مواليد التسعينيات، وما سبقنا من أواخر الثمانينيات، لقد كبرنا على صوتها وصورتها ومن خلفها فلسطين الجريحة، وبالنسبة لي فقد عرفت فلسطين من شيرين، وأدركت وجود احتلال من شيرين، ومن كلماتها وتغطياتها حددت الصف الذي أقف فيه، وبدأ حلمي بأن أكبر لأكون مثلها.

أول حدث سياسي قوي واستثنائي كان بحياتي، ودفعني لكثرة السؤال لمحاولة فهم ما يجري، ولماذا! هو الانتفاضة الثانية التي حملت مشهد استشهاد الطفل محمد الدرة ودخول شارون للأقصى، وكلاهما محفورٌ بذاكرة كل من شاهدهما، تلاهما اجتياح الضفة، ومجازر مخيم جنين، ثم حصار المقاطعة في رام الله، والاغتيالات في نابلس وغزة، كل هذا كان بتغطية شيرين أبو عاقلة، فحفر اسمها بالذاكرة مع هذه الأحداث، وأصبج الميكروفون لعبتي المفضلة التي انتقيها من بين لعب الأطفال لأقف وأروي ما أحفظه من كلام شيرين بتغطياتها لكن أختمه باسمي، فكانت شيرين بالنسبة لي صندوق الأحلام الذي أريد أن أكبر لأقوى على فتحه، والطفلة ابنة السبع سنوات التي بالأمس عرفت شيرين فعرفت منها فلسطين باتت تريد تحرير فلسطين وتتساءل عن موعد تحريرها، وستكبر لتكون صحافية وتكتب عن فلسطين وتفضح المحتل مثل شيرين، وبالفعل كبرت ونشرت شعرًا ونثرًا قابلت وصورت، درست الصحافة، وعملت فيها لزمن، وما زالت تطمح لأن تكون بعضًا مما كانته شيرين، واليوم بات هذا الطموح ثأرًا لها.

كل هذا كانته الشهيدة المراسلة شيرين أبو عاقلة بالنسبة لي ولأبناء جيلي، أما على الصعيد العام فقد تجذرت بالوعي الجماعي الفلسطيني، وعندما كانت تطل شيرين فنعرف أن الأمر جلل فإما اقتحام، وإما حرب إما اغتيال، فيعلوُ صوت التلفاز لنعرف منها الحكاية، فكانت كالأجداد الذين قضوا سني عمرهم يروون لنا الحكايا عن فلسطين التي لم نعرف قبل النكبة، ويرون مآسي النكبة فنشرب مرارتها من دموعهم كأنهم قصدًا كانوا يزرعون بداخلنا الغضب ويروونه بين الحين والحين لأن العظم منهم قد وَهَن لكن مرارة الأسى، ونار الثأر لم تخبُ، وإنه وإن مات معظمهم فقد تركوا بداخلنا بركانًا ينتظر أن تصل حرارته قمة الغليان فيفور التنور، وإنه هناك في قرية إجليلة يوجد شجرة صبر ما لحلاوتها مثيل لن تنطفئ النار بداخلنا حتى نتذوق حلاوتها، وهكذا كانت شيرين تروي لنا الأحداث فتراكمه داخلنا غضبًا على غضب، وكانت تروي كي يصل صوت الحق للعالم وتظهر الظلم وظلامه، وتتركنا نصل إلى تلك القناعة بأنفسنا، وهي أن هذا احتلال لا بد أن يزال، وفلسطين كلها لنا، وعلينا إيصال هذا للعالم بكل الوسائل المتاحة حتى لو كلفنا أعمارًا وحياة، وقد كلف هذا شيرين فعلًا مثل غيرها من الآلاف المؤلفة من الفلسطينين منذ النكبة ليومنا هذا، وليس لمثلها سوى أن يموت بالميدان الذي شمخ فيه، فلا يموت أبدًا، فقط يضيف لأرشيف الذاكرة الذي جمعه لنا بتغطياته مشهدًا آخر يحفر فيها، وبموتها ومشهد جنازتها الذي طاف مدن فلسطين كما مرتها في حياتها كانت أعظم تغطياتها التي عرت بها قذارة هذا الاحتلال وجُبنه، ومشهد التابوت الذي مال ولم يسقط لأن من حمله كان كمن يحمل فلسطين بأسرها، يحمل الشعور والذاكرة، ومن عَرَفَهُ بفلسطين فكيف يسقطه لو قطع إربًا، وإن السماء ستنطبق على الأرض فتفتت الجميع لو سقط.

الكل الفلسطيني فجع بهذا الموت، ونعيش صدمة جماعية، وما تخيلنا تحرير فلسطين دون تغطية تختتم بً «شيرين أبو عاقلة- القدس- فلسطين الحرة».

شيرين أبو عاقلة رحمها الله ستخلد ككل شهداء فلسطين، وستكون كأعظم حكايات البطولات فيها، وستخلد في الذاكرة والكتب وشوارع وجامعات فلسطين، ستكون منهجًا للإعلام كيف يكون، وستتحرر فلسطين وينتهي الواقع المرير الذي تفانت وأفنت عمرها لأجل إيصال صوته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد