والعراق اول الضحايا

مساومات خبيثة قامت بها السعودية في الآونة الأخيرة، فمن أجل البقاء سأزيل الجميع، ومن أجل القوة والسلطة دعونا نستبدل الدماء بالنفط، تغاضوا عن قتلنا لخاشقجي، وبددوا جميع الثروات، فككوا أوبك وأخفضوا سعر البرميل حتى إلى 30 دولارًا، لا أحد يعترض، بل نحن من نفعل ذلك، فالنفط مقابل الدماء، هكذا أصبح شعار المملكة العربية السعودية!

إن الحرية والديمقراطية والقانون هي كلمات لاستهلاك اللعاب والحبر فقط، ففي ظل تصاعد وتيرة الضغوطات على السعودية وعاهلها محمد بن سلمان بسبب مقتل الصحافي جمال خاشقجي وتوجيه التهم إلى العائلة الحاكمة بقتله، وفي الوقت الذي طالب به الجميع بالقصاص من المتهمين مهما كانت مكانتهم ووضع حد للأعمال الوحشية التي تقوم بها السعودية على مواطنيها ومعارضيها، وبعد ان بدأت امريكا بالرضوخ لهذه المطالبات، وكشرت عن أنيابها الحقيقية بالانقلاب على الحليف ابن سلمان، هنا أبرز الملك رغبته الكامنة بعدم ترك القيادة وزمام السلطة ليعلن ومن غير تردد عن استعداده لتقديم أمريكا هدايا لا تقدر بثمن لقاء تبرئته من قتل جمال خاشقجي.

تبديد ثروات المملكة بالكامل مقابل العرش، كان أول قرار عجيب يتخذه بن سلمان للحفاظ على منصبه وكسب الجانب الأمريكي لجانبه، تمثل هذا القرار بخفض أسعار النفط العالمية باعتبار أن السعودية هي ثاني أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قامت بتصدير 11 مليون برميل يوميًا، دون الرجوع لمنظمة أوبك، بل إن مراقبين أكدوا أن ابن سلمان مستعد لتفكيك أوبك كهدية إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقابل تبرئته من قتل خاشقجي!

من المتضرر الأكبر من قيام السعودية بتخفيض أسعار النفط العالمية؟

المتتبع لأسعار النفط يجد أن سعر البرميل انخفض من 84 دولارًا إلى 54 دولارًا في أيام معدودات، وهو ما أكد الدور الخفي للرياض فيما جرى، وتنفيذها للأوامر الأمريكية بصورة مباشرة، لكن المتضرر الأكبر من هذا الانخفاض هو العراق وبصورة كبيرة، كيف ذلك؟

بعد تصريح وزير البترول السعودي بضرورة فتح آفاق مشتركة بين العراق والسعودية وتثمينه (لـدور العراق في منظمة أوبك وحرص بلاده على إعادة التوازن للسوق النفطية العالمية ودعم أسعار النفط)، وتوقعه أن (تشهد العلاقات الثنائية طفرة نوعية خلال الفترة المقبلة تسهم في تحقيق نتائج مثمرة وبما يعزز العلاقات بين الأشقاء، اطمأن العراقيين بجدية التفاهم بين البلدين.

لكن الذي حدث بعد هذه التصريحات هو بالفعل طفرة نوعية لا مثيل لها كان من أبرز نتائجها خسارة العراق لأكثر من 100 مليون دولار يوميًا بعد أن فتح عينيه ليرى أن الوعود قد تحولت إلى حقيقة، ولكن يبدو أنها قد تحولت بالضد عندما أقدمت السعودية على اختراق القوانين وتصديرها 11 مليون برميل يوميًا ضاربة منظمة اوبك ومصالح الدول العربية عرض الحائط الخطوة التي جعلت سوق النفط العالمي يعاني من فائض كبير في الإنتاج وبأسعار أشبه بالمجانية، ولسبب واحد لا أكثر، وهو أن يتغاضى ترامب عن قتل محمد بن سلمان لجمال خاشقجي!

كيف خسر العراق قرابة 100 مليون دولار يوميًا جراء هذا القرار؟ وما هو سبب إيقاع العراق في هذه الورطة؟

يصدر العراق يوميًا معدل 3 مليون و250 برميل، وصل سعر البرميل الواحد إلى 80 دولار، ولكن بعد أن اتخذت السعودية قرار تخفيض النفط وضخها لـ11 مليون برميل يوميًا؛ اصبح هنا زيادة في العرض تفوق الطلب بشكل كبير، وهو ما أدى إلى انخفاض سعر البرميل إلى 50 دولار، وبما أن العراق كان يبيع البرميل الواحد بـ80 دولار جاء ذلك لينزل من قيمتها 30 دولار بعد أن اصبح بـ50 دولار، أي أن العراق خسر على البرميل الواحد مبلغ 30 دولار، وبما أنه يصدر 3 مليون برميل يوميًا تكون خسارته بحدود 100 مليون دولار في اليوم الواحد! الأمر الذي ضيق الخناق على العراق الذي يعتمد اقتصاده على النفط بنسبة 90%، وبالتالي يمكن أن يعد قرار التخفيض هذا بأنه حصار غير مباشر على العراق!

من جانبه يرى مراقبون أن ارتفاع إنتاج السعودية من النفط إلى مستوى قياسي ووصلوه إلى 11 مليون برميل يوميًا خلال الشهر الجاري على خلفية اغتيال خاشقجي، يعد مخططًا أمريكيًا للضغط على العراق حتى يتقبل العقوبات الأمريكية على إيران، وبالتالي هم عملوا على ردعه بهذا القرار ليعيد حساباته فيما إذا كان مصرًا على رفض العقوبات وعدم التعامل معها.

لم يهم السعودية كل ذلك، ولم تعلق على هذا القرار إلى الآن, فهمها الوحيد هو إرضاء الأصهب الأمريكي ترامب الذي أصبح يمثل الأب الروحي لها خاصة بعد فرحته بقرار التخفيض هذا وخروجه مصرحًا أسعار النفط تنخفض. رائع! هذا شبيه بخفض ضريبي كبير لأمريكا والعالم. هنيئًا! 54 دولارًا، بعد أن كانت 824 دولارًا. شكرًا للسعودية، لكن لنخفض أكثر!

هنا قد اطمأن ابن سلمان قليلًا، فأخيرًا خرج بشيء يفرح أباه الأمريكي، لكنه وكالسابق لم يكن يعلم أن واشنطن استغلت حادثة قتل خاشقجي وطوعتها لمصالحها في ظل وجود ولي عهد متهور له استعداد أن يرهن بلاده بكاملها مقابل الاحتفاظ بالعرش، متجاهلًا أن طوال التاريخ كانت الولايات المتحدة تستغل قطرات الدم لأجل ربح معركة النفط، فكل الاغتيالات التي طالت زعماء المنطقة بدءًا بالملك فيصل سنة 1975 إلى أنور السادات، ومرورًا بصدام حسين ومعمر القذافي، ووصولًا إلى علي عبد الله صالح سنة 2017، اختلطت الدماء فيها بالنفط، وتدخلت فيها الولايات المتحدة الأمريكية، إما طرفًا في الحادثة، أو مستفيدة من تداعياتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السعودية

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد