أعلنت المملكة العربية السعودية خلال عطلة نهاية الأسبوع من سبعة إلى 8 مارس (أذار)، الحرب الاقتصادية على صناعة النفط الروسية. فقد رفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتن خفض إنتاج النفط في مواجهة انخفاض الأسعار بسبب هبوط غير مسبوق في الطلب بلغ 3.5 مليون برميل يوميًا الناجم عن أزمة الفيروس التاجي. ويفيض السعوديون الآن سوق النفط ويخفضون من جانب واحد أسعارهم بشكل كافي لدفع الأسعار إلى الانخفاض بمقدار 25٪. تهدد صدمة الأسعار هذه أضرارًا جسيمة لقطاع النفط والغاز الأمريكي الذي ضعف بالفعل بسبب انخفاض الطلب والأسعار. ويحتاج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أن يضغط على أصدقائه السعوديين، وأيضًا الروس الذين سعوا لفترة طويلة إلى الإبقاء على الأسعار منخفضة بالقدر الكافي لتدمير صناعة الصخر الزيتي الأمريكية. وعلى أقل تقدير، يتعين على إدارة ترامب أن تضغط على كل من السعوديين والروس لوقف إغراق السوق الكاسدة في وقت الأزمة العالمية، حيث يهدد نزاعهما بإشعال شرارة حالات إفلاس واسعة النطاق وعجز عن سداد الديون في الأسواق الأمريكية.

إن توقيت المواجهة السعودية مع روسيا محير. وقد شهد العالم بالفعل انكماشًا كبيرا في الطلب بسبب تفشي الفيروس التاجي الذي أغلق قطاعات كبيرة من الاقتصاد الصيني في فبراير (شباط) ومن شبه المؤكد أنه سيدفع اقتصادات أوروبا، واليابان، والولايات المتحدة، إلى الركود. كما أن أسعار الغاز الطبيعي منخفضة تاريخيًا للأسباب نفسها وبسبب الشتاء الدافئ. وكان منتجو الصخر الزيتي عُرضة للخطر بالفعل في العام الماضي، ويرجع هذا جزئيًا إلى نجاحهم التاريخي في زيادة الإنتاج محليًا.

وفقًا لتقرير صادر عن شركة «إيور كور آئي أيس آئي»، كان لدى مشغلي النفط الصخري تدفق نقدي سلبي تراكمي يزيد عن 280 مليار دولار منذ عام 2007. بدأت البنوك الأمريكية وشركات الأسهم الخاصة، التي مولت النمو في الطفرة الصخرية، تراجع دعمها للشركات الصخرية مع تدهور ميزانياتها العمومية. تشير التقارير الأخيرة إلى أن أكثر من 140 مليار دولار من الديون لقطاع الاستكشاف والإنتاج معرضة لخطر الوقوع في النطاق غير المرغوب فيه. منذ عام 2015، كان هناك أكثر من 400 إفلاس في الصناعة بأكملها؛ مما تسبب في خسائر لا حصر لها من قيمة المساهمين في شركات التجارة العامة بالإضافة إلى خسائر السندات. الخسائر المباشرة من الإفلاس أكثر من 200 مليار دولار. أسماء الشركات الرئيسة مثل «أوكسيدنتال» و«نوبل» للصناعات معرضة للخطر، كما يتضح من القطع الأخير لـ«أوكسيدنتال» في توزيعات الأرباح بنسبة 86٪. يمكن لعدد قليل جدًا من الشركات الأمريكية أن تزدهر مع الأسعار في نطاقاتها الحالية.

وجد استطلاع أجراه مجلس الاحتياطي الفيدرالي في دالاس في أواخر العام الماضي أن 59٪ من المشغلين في منطقته يحتاجون إلى أسعار النفط الخام عند 50 دولارًا أو أكثر للبرميل لدعم الاستثمار الرأسمالي الجديد في عام 2020.

في عامي 2014 و2015، هندس السعوديون أسعارًا أقل لمحاولة إضعاف الطفرة الصخرية الأمريكية، بتواطؤ من الروس. وعلى الرغم من أنهم فشلوا في تدمير الصّناعة، إلا أن هذه الواقعة قد أسفرت عن انخفاض إنتاج النفط الأمريكيّ بمقدار 15٪ ونحو 150 حالة إفلاس. منذ ذلك الحين، ارتفع إجمالي إنتاج النفط الأمريكي إلى أكثر من 12 مليون برميل يوميًا، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 60٪، وصادرات النفط والغاز الأمريكية والمنتجات ذات الصلة تعمل الآن بمعدل يزيد عن 200 مليار دولار سنويًا، وهو مكون رئيس في القوة الاقتصادية الأمريكية ودعم الوظائف.

ينتج قطاع النفط والغاز الأمريكي الإجمالي حوالي 1 تريليون دولار سنويًا كتعويضات للموظفين، إلى حد كبير في الوظائف ذات الأجور المرتفعة للغاية من ذوي الياقات الزرقاء والبيضاء.
بلغ الاستثمار الرأسمالي في هذا القطاع حوالي 150 مليار دولار في 2018، على الرغم من أن البيانات الأولية لعام 2019 تشير إلى أنه ربما انخفض بنسبة تزيد عن 20٪، وهي علامة أخرى على الضعف.

من الواضح أن قطاع النفط والغاز هو أحد الدعائم العظيمة للقوة في الاقتصاد الأمريكي، خاصة في سنوات النمو البطيئة نسبيًّا بعد الركود الكبير. إنها صناعة ذات رافعة مالية عالية تتميز بدورات من الازدهار والكساد، ودورتها غالبًا ما ترتبط بالأداء الاقتصادي الإجمالي للولايات المتحدة. وفي بيئة الأزمة الحالية، فإن دفع الأسعار إلى ما دون التكاليف بالنسبة لأغلب المنتجين المحليين يهدد بإفلاس إضافي وعجز عن سداد السندات، ويرفع شبح عدم استقرار القطاع المالي وخسارة الوظائف في الولايات ذات الأهمية السياسية.

ستساعد الأسعار المنخفضة المستهلكين الأمريكيين الذين ينفقون أكثر من 500 مليار دولار سنويًا على البنزين، لكن تأثيرات الاقتصاد الكلي وخسائر الوظائف المرتبطة بها تفوق هذه المكاسب. وينطبق هذا بشكل خاص إذا كان التخلف عن السندات الضخمة والقروض المصرفية يقوض استقرار المؤسسات المالية.

باختصار فإن الجهود السعودية لاستدعاء الخداع الروسي ودفعهم إما إلى الخضوع أو الأزمة المالية، حيث يحتاج الروس إلى أسعار 42 دولارًا للبرميل لدعم دولة الرفاهية، تهدد بإلحاق أضرار جانبية شديدة بالاقتصاد الأمريكي. لا شك في أن الصناعة الأمريكية المبتكرة والمنتجة للغاية تشكل بعض التهديد للنموذج الاقتصادي السعودي، حيث إن 70٪ من الإيرادات الحكومية مستمدة من النفط. لكن «أرامكو» السعودية – التي كانت حتى وقت قريب جدًا مدرجة علنًا – تضررت بالفعل بسبب حرب الأسعار. تحتاج المملكة العربية السعودية إلى أسعار تتجاوز 80 دولارًا أمريكيًا لدعم دولة الرفاهية وتنويع اقتصادها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اسعار, النفط, حرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد