منذ أن تدخلت اليد الخفية لآدم سميث في أسواق النفط في يونيو\حزيران من العام 2014، شهدت الأسعار انخفاضًا يفوق الـ60 بالمئة من قيمة البرميل، وباتت الأسواق تشهد تذبذبات يومية، ولا بد أن مثل هذه التغيرات المهولة في الأسعار ألقت بآثارها في منطقة الشرق الأوسط، والتي يعتمد عدد كبير من دولها على إنتاج النفط كمصدر أساسي لاحتياطيها الأجنبي وأحد أهم عناصر الدخل بميزانيتها العامة.

السعودية وإيران

المملكة العربية السعودية التي يمكن وصفها بأكبر لاعب في المنطقة، حيث بلغ الوزن النسبي لناتج محلها الإجمالي بالعام 2014، ما نسبته %53.5 من الناتج المحلي الإجمالي في دول الخليج، بحسب صندوق النقد الدولي، يتوقع لها الصندوق عجزًا نسبته 19.5% في ميزانية المملكة للعام المالي الجاري.

وتشهد السعودية صراعًا على المستوى السياسي والإستراتيجي مع جارتها “إيران” سواء في سوريا أم اليمن، إلا أن هبوط أسعار النفط قد يدعم تغيير بعض السياسات، فالميزانية التي لا تريد المملكة توسيع عجزها، ربما لا تحتمل دعمًا سعوديًّا مسلحًا في اليمن، ولذا تلجأ السعودية إلى الاعتماد على جماعة الإصلاح، الإخوان المسلمين، هناك لردع سيطرة الحوثي المدعوم من إيران، لا سيما بعد التقارب السعودي-القطري، على حساب الإمارات، منذ صعود ثلة “السديري” إلى الحكم، بحسب مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث الإستراتيجية، وهو ما أثر أيضًا في عودة العلاقات بين السعودية و”حماس” بزيارة خالد مشعل إلى الرياض.

كما أن إمكانية الضغط السعودي لرفع الأسعار من خلال تخفيض الإنتاج باعتبار نسبة الثلثين للسعودية من حصة الأوبك، بحسب بيانات قطاع الطاقة الأمريكي، باتت صعبة أو مستحيلة، بعد رفع العقوبات عن إيران، والتي بالتأكيد سوف تعمل على المزاحمة في الأسواق من خلال رفع صادراتها بمليون برميل نفط يوميًّا، بحسب تصريحات بيغن زنجه، وزير النفط الإيراني. وقد توقع البنك الدولي انخفاضًا في أسعار النفط في العام 2016 المقبل بنسبة 14%، أي حوالي 10 دولارات بتوقع سعر برميل برنت 70 دولار. هذا بالإضافة إلى السوق الإيراني للغاز والذي اعتمد في السابق على سوريا والعراق ولبنان، فقد وقعت كل من الكويت وعمان صفقة لاستيراد الغاز من إيران وذلك في العام 2014 السابق في ظل توتر علاقات دول الخليج مع الجارة “قطر” آن ذاك.

داعش وليبيا

الدولة الإسلامية التي باتت تسيطر على أجزاء موصولة من العراق وسوريا تستولي على بعض آبار النفط هناك، وربما كان ذلك هو السر وراء ما يمتلكه التنظيم من أموال، وقد نقل موقع قناة العربية عن مصادر لم يحددها، أن داعش تبيع النفط لتجار أتراك بقيمة 18 دولارًا للبرميل، كما أن التنظيم وقع اتفاقيات تقضي بحراسته للإمدادات بين الآبار ومصافي نفط النظام السوري بمقابل مادي.

أما ليبيا، ثالث أكبر ممول نفطي لأوروبا، والتي يشكل النفط 94% من مواردها، فهي مقسمة بين الحكومة المعترف بها عالميًّا، وأنصار الله وتنظيم داعش الذي يسيطر على مدينة “سرت”، أحد أهم الموانئ الواقعة في الهلال النفطي الليبي بين مدينتي بني غازي وطرابلس.

مصر والجزائر

اعتبر المركز المصري للدراسات الاقتصادية أن انخفاض أسعار البترول يساهم في تخفيف العبء على بند دعم الطاقة بميزانيتها العامة، حيث تجاوز دعم المحروقات 20% من موازنة العام المالي 2014\2015، بحسب البيان المالي، كما أنه يساهم في تخفيف الأعباء التضخمية التي تواجه الحكومة في خطتها لرفع الدعم عن الطاقة، بحسب تصريحات رئيس وزراء مصر الأسبق، إبراهيم محلب، وأضاف المركز في تقرير له أن ارتفاع الأسعار ربما يدفع البنك الفيدرالي الأمريكي إلى زيادة نسبة الفائدة لاحتواء التضخم، مما سيعزز سعر الدولار ويؤدي إلى انخفاض الجنيه المصري.

إلا أن الآثار السلبية التي سببها انخفاض الأسعار في دول الخليج الداعمة لمصر، كالسعودية والإمارات، قد تؤدي إلى تراجع هذا الدعم الاقتصادي، كما أن ميل السعودية لتخفيض تكاليف الحرب في اليمن قد يعكس آثاره على مصر، لا سيما بعد تعزيز الجيش المصري لترسانة أسلحته، بحسب موقع قناة العربية، بشراء طائرات حربية ومساعيه لشراء حاملة طائرات.

أما الجزائر التي يمثل النفط نحو 60% من ميزانيتها العامة، فقد أشار صندوق النقد الدولي بعجز محتمل بميزانيتها يفوق الـ7%، وقد دعا وزير الخارجية الإيراني “محمد ظريف” نظيره الجزائري إلى بحث سبل تثبيت أسعار النفط في لقاء جمع بينهما على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. كما توجد بعض التخوفات من تأثير الوضع الاقتصادي على الوضع السياسي الداخلي للجزائر، كما نشر موقع قناة بي بي سي، لا سيما أن البلاد سبق وأن شهدت مظاهرات في عصر الربيع العربي وفي عهد الرئيس “بوتفليقة” الذي لا زال يشغل المنصب.

السودان وتونس

في حين سبب انخفاض الأسعار تحسنًا في الوضع المالي لتونس، كما صرح بذلك وزير المالية التونسي، سليم شاكر، بقوله إن “الاقتصاد التونسي تجنب الأسوأ هذا العام بفضل الانخفاض في أسعار النفط”، يشهد السودان وضعًا شبيهًا، لا سيما بعد ارتفاع معدلات التضخم السنوي إلى 46.8% في يوليو 2014، على إثر قيام الحكومة السودانية برفع الدعم النسبي عن المحروقات وبعض السلع الغذائية، إلا أن صفقة نقل البترول الجنوبي عبر السودان، والتي نصت اتفاقية أديس أبابا على أن تتسلم السودان 24 دولارًا عن نقل البرميل الواحد، باتت تواجه أزمة، بحسب صحيفة أخبار اليوم السودانية، بعد طلب حكومة جنوب السودان تعديل الاتفاق وهو ما رفضته حكومة الشمال.

لا أحد يستطيع الادعاء بأن عامل واحد فقط هو مخرج المشهد في العالم العربي أو الشرق الأوسط، لكن “النفط” وبحق هو أحد العوامل الرئيسية المؤثرة، فعجز الميزانية السعودية قد يؤدي إلى تشكيل تحالفات جديدة مع قطر وتركيا، كما يساهم في ميل مصر إلى الجانب الروسي الإيراني. وعجز الميزانية الجزائرية قد يرمي بها في أحضان إيران، والصفقة التي لم تعد مربحة لجنوب السودان قد تعيد التوتر مع الشمال، أو توجهها لنقل بحري عبر إثيوبيا. كما يمكن أن يضعف الحكومة الليبية وتنظيم داعش على حد سواء، وينقل الفوضى من الشام إلى شمالي إفريقيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد