دور المسنين

لاعتبارات عديدة ومختلفة يُستعاض عن تسمية دار المسنّين بتسمية مُتعمَّدة هي: مأوى العجزة، على أن بين التسميتين مغالطات وتشابه واختلاف معًا ذلك على مستوى المصطلح والتسمية أما على مستوى الاعتبار الاجتماعي والأخلاقي فيزداد الإشكال تعقيدًا وإشكالًا بداية دار المسنين أو مأوى العجزة هي مؤسسة غير ربحية نتحدث هنا في حالة (الدول النامية) وهي حكومية، أو خيرية تستقطب أُعطيات الأثرياء والمُحسنين، أو كلاهما معًا حكومية وخيرية.

ذلك التصنيف من خلال التمويل والإدارة أما فيما يخص التخصص والوظيفة فهي تُعنى بالمُسنّين ممن تجاوزوا العقود الخمسة من أعمارهم فما فوق وممن أصابتهم الأمراض المتعلقة بالشيخوخة عقليا وجسديا ونفسيا وتقدم الرعاية في تلك الدور على المستويات الطبية والنفسية والاجتماعية من قِبل مختصين ومؤهلين، بحيث تقدم الخدمة الطبية بالعناية بأنماط حياة المسنين بشكل صحي.

الطعام والنوم والحركة والكشف الطبي والفحوصات ومتابعة العلاج وذات الأمر بالنسبة للعناية النفسية متابعة وعلاج وتقييم وأيضا بالنسبة للجوانب الاجتماعية بحيث تقام نشاطات اجتماعية داخل الدار تهدف لتفعيل المشاركة الاجتماعية للمُسن وتجنيبه التهميش والعزل اجتماعيًا مما سيحول دون تفاقم مشاكله الجسدية والنفسية بفعل ذلك التهميش والعزل اجتماعيًا والتي هي بدورها ثاني أكبر مشاكل المُسن بعد أعراض الشيخوخة، تهميشه وفصله عن المجتمع وتحاشيه وعزله كجسم غريب غير مرغوب فيه وغير نافع وليس لوجوده معنى وقيمة وأهمية ولزوم وحاجة في سياق الزمان والمكان الذي يعيش فيه وبين ذويه ومعارفه.

وجدير بالذكر التباين بين الدول المتقدمة والدول النامية بالتعاطي مع قضية المسنين بل وحتى المنظمات الدولية والمؤسسات الأكاديمية والبحثية ومما لا شك فيه أن التقدم بالسن يؤدي لضعف في فقدان الوظائف الجسدية وحتى العقلية ولكن ليس كعجز تام وإنما ضعف أو تراجع في أداء الوظيفة بنسبة المئة في المئة وهذا لا يعني عدم الإفادة من النسبة الفاعلة أيا كانت النصف أو الثلث لأداء تلك الوظائف وبشروط تناسب المُسن كساعات العمل والجهد والتركيز لدمجهم وعدم تهميشهم وعزلهم.

لأن ذلك من شأنه أن يشكل عبئًا على الدولة والمجتمع وتعطيل مفتعل لقدراتهم أو ما تبق منها ومن وجه آخر مفاقمة لمشاكلتهم كما ذكرنا النفسية والجسدية والاجتماعية مما سيعد عليهم وعلى المجتمع والدولة وذويهم بالضرر والعناء واستعصاء الحلول في كثير من الأحيان ذلك على مستوى المسن العادي بإمكانيات اعتيادية أم بالنسبة للمتميزين من المسنين.

فالأولى الإفادة من خبراتهم وحكمتهم وتجاربهم ونضج عقولهم في شتى المجالات التي خاضوا بها مهماتهم وأعمالهم وأبحاثهم فيما مضى من سنوات شبابهم وعطائهم ولسنا هنا بصدد المقارنة بين حال دور المسنين في الدول النامية وما يقابلها في الدول المتقدمة على أهميتها إعادة تأهليها وإعادة صياغة سياساتها على مستوى القائمين عليها ومستوى أنظمتها وأدائها واستراتيجياتها وإنما نعالج أبعاد أخرى للموضوع، أخلاقيا واجتماعيا في مجتمعاتنا النامية، دولة ومجتمع.

دولة: عندما تسمى تلك الدور (مأوى العجزة) فالمسنين ليسوا كذلك، ليسوا متشردين بحاجة لمأوى بل كلا منهم كان فردا فاعلا في مجال ما من مجالات الحياة وعليه لا تصح معاملتهم على تلك الصورة وهم في معظمهم آباء وأجداد وكان لهم ما كان من حظوة في سني عطائهم وهم ليسوا عجزة كما أسلفنا ولكن أقل قدرة وأضعف بنية وليسوا عاجزين بالكلية إلا في حالات محددة ومعينة لها ظرفها الخاص بها من أمراض ومشاكل جسدية وعقلية وهكذا فمن الهدر بمكان للمسنين والدولة والمجتمع على حد سواء تعطيل قدرات أولئك المسنين وإن قلّت وتواضعت وهو أمر سيعود على جميع الأطراف بالضرر والتعقيد والعناء والتكلفة وصعوبة الحل كتفاقم مشاكلهم وارتفاع الحاجة بهم وتفاقم عِللهم الجسدية وبالتالي زيادة التكاليف الطبية وتفاقم مشاكلهم العقلية الناتجة عن التهميش والعزلة مما سيؤدي إلى الاضطرار والدفع باتجاه إنزالهم في المصحات العقلية وهو ظلم ألم للمسنين وعناء وعبء على الدولة وذويهم من الممكن تفاديه وتوفيره على جميع الأطراف: المُسن وذويه والدولة.

أما مجتمعا: فمأوى العجزة مفهوما وواقعا مرفوض اجتماعيا وأخلاقيا عموما وبالعموم وللاستثناء شروطه امر مرفوض بالنسبة للمجتمع الذي يرفض من منطلقات أخلاقية إنزال المُسن كأب أو جد أو عم أو خال أو أخ أيا كانت درجة قرابته في نُزُل للمُسنين باعتبار ذلك الفعل يتنافى مع القيم الأخلاقية السائدة من صلة رحم وعلاقة دم والوفاء ور الجميل لمن أنشأ وربى فيستهجن يُنبذ ذلك الفعل عند حتى اقتراح فعله قبل فعله من كل قريب وبعيد وسامع والواقع أن تلك الحمية والفورة لا تطول إلا لدقائق وأقصاها لساعات لتبرد وتتحول لتأفف وتبرم وسخط وتوبيخ لذلك المُسن ولوم له على وجوده وطول عمره وطلب الرحمة بموته تمنيا وتصريحا وصراخا.

ولا تتوقف المعاناة عند هذا الحد ولكن تتعدى لعدم الأهلية للعناية بالمُسن ورعايته من حيث الكفاءة والتخصص وفي معظم الحالات لا يُوظف ممرض للإشراف عليه في المنزل لعدم المقدرة المالية أحيانا وعدم الاكتراث أحيانا أخرى وأضف إلى ذلك تفاقم مشاكله بالعزلة والتهميش خارج وداخل المنزل وذلك الكم الكبير من السخط الذي يُصب فوق رأسه ممن حوله (ذويه في كثير من الحالات) مضافا لذلك مشاعره الداخلية (الخذلان والخيبة والحسرة) على ما فات من قوته واعتداده بنفسه واستقلاله واستغناءه عن مساعدة الآخرين بل اعتماد الآخرين في وقت مضى.

ويتبين لنا كيف يسقط الادعاء الأخلاقي ويخفت الهتاف بالقيمة الأخلاقية بضوء الواقع والممارسة المُشاهدة والتجربة المُعَاشة والتي لا تستثن أحدا منا عاشها أو شاهدها أو سمع بها أو منتظر دوره لخوضها وهنا تغدو فكرة الدار هي الأقل سوءا أمام شناعة معاملة المُسن ولا نغفل النسبة القليلة من ذوي المسنين التي ترضخ لفكرة إنزال مُسنهم في دار المسنين والتي هي في الأغلب رضوخ لضغوط مادية وأسرية فالأسرة من ناحية تشعر بالضيق والعناء مع هذا المُسن والخجل أمام الآخرين بهذا المُسن الضعيف ومن ناحية أخرى تخشى اللوم والرفض المجتمعي في حال أنزل ذلك المُسن في دار المسنين.

ولنا أن نتخيل كم التوتر لدى جميع الأطراف والعناء واستعصاء الحل وبعد هذا العرض لِكم الاشكال وتعقد المشكلة وأخلص أخيرا إلى أن الحل ليس بنبذ القيم الأخلاقية والتنصل من المسؤولية الأسرية ومجافاة الوفاء بترك أولئك المسنين لمصيرهم في دور المسنين ولا يكون أيضا بحبسهم في البيوت وصب اللوم والغضب عليهم والتأفف منهم ليل نهار وعدم توفير الرعاية والعناية المطلوبة لعدم توفر الأهلية أو المقدرة المادية لتوظيف المؤهل لتلك المهمة وإنما باعتبار دار المسنين مركزا للعناية والرعاية لمن ليس لديه المقدرة المادية لتوظيف المؤهلين في بيته.

فالدار هو حل لعوزه المادي وهو رعاية وعناية مؤهلة وكفؤة ومتخصصة للحد من مشاكل المُسن وتفاقمها بل وتحسين حالته ودفعها للأفضل ولكن مع محبة ذويه ووفائهم ودعمهم فمن أبسط الحقائق أن الدعم الأسري يجعل الفرد أفضل حالا على جميع المستويات والنواحي فتكن تلك الإقامة نقاهة واستشفاء وفي حال بلوغه مرحلة المعافاة التي تؤهله الاعتماد على نفسه كليا أو جزئيا وتحسن حالته من خلال تقييم طبي فيجدر عندها إعادته إلى منزل أبناءه وذويه مع أن ذلك يتطلب من أسرته المحبة والصبر والوفاء ورد الجميل وهو أمر نادر إن وجد مع الأسف ليتبقى لنا الدعوة للممكن والأكثر واقعية وهو الدعم النفسي للمسن في دار المسنين من خلال زيارته ووصله وتشجيعه والشعور تجاهه بالمحبة والاقتداء بتجارب الدول المتقدمة في هذا المجال بإدماج المسنين بالمجتمع والدولة ضمن برامج مدروسة وعلمية ومنهجية تحد من هذا الهدر من كل وجوهه للأفراد بعنائهم بمسنيهم وللمسنين بمعاناتهم ولمؤسسات الدولة بتكبدها تكاليف تؤدي لنتائج سلبية تضاعف مشاكل المسنين في دور المسنين وفي بيوت ذويهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد