ما إن أوشك نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2013 على الانتهاء، إلا وقد بدا للعيان أن ثمة كيانًا ونظامًا إعلاميًا شاهقًا من ورق قد شيد في غفلة من الزمن، أرسيت قواعده على أسس تناقض وتناوئ كل مبادئ العمل الصحافي والمهني، يدار تنظيميًّا إدارة تثير الريبة والتوجس، وبأموال غير معلومة المصدر آيلة للسقوط، واستمراره ليس أكثر من حياة مريض يحيا على أجهزة التنفس الصناعي.

جهاز إعلامي لم يدخر جهدًا في حفلة صاخبة كان ضيوفها وهدفها الرأي العام الوطني في سياق تعبئته للعمل على نحو مضاد للمصلحة القومية العليا، يتبع سياسة إذاعية وتحريرية تسدن مأرب واستراتيجيات الربيب الممول لها، فهنا كل الأدوات تطوع لخدمة صاحب المحل. اتصالًا بهذا الصدد، فقد مارس هذا الكيان الإعلامي وزاول هويته التي فطر مولعًا بها؛ فكان التضليل منهاجه في سحق عقول فئات عريضة من الجماهير، في سياق حشد ذلك الجمهور لتدمير نفسه ذاتيًّا، ما علمه لنا التاريخ أنه ليس بإمكان أي نظام إعلامي، بغض النظر عما يعززه من إمكانيات بشرية ومالية، أن ينبض ويتنفس، وأن يحافظ على بقائه طويلًا طالما يسير هذا النظام الإعلامي على وتيرة واحدة من الكذب والتضليل السافر كما حدث. لاسيما أن هذه الاستراتيجية لا توظف في مضامين إعلامية تتعلق بالمنحى السياسي فحسب، فيمر على الجمهور على قاعدة أن الغريب أعمى ولو كان بصيرًا، فالسواد الأعظم من أبناء المحروسة ثقافته السياسية هي ثقافة سمعية، وإلمامه بالسياسة لا يتخطى إلمام نجاح الموجي بها في رائعة «المتزوجون».

فالسفسطة تجاوزت هذا المنسوب، فانسابت إلى عمق النواحي الاقتصادية والمعيشية التي يتلمسها الجمهور البسيط والطبقات الكادحة، تلك الشرائح المجتمعية التي ليست بحرص إلى الإعلام كي تتعرف وتلم بمستواها وحالته الاقتصادية. إذ ليس من التريث ولا الفراسة أن يظن ممرر الرسالة الإعلامية (حارس البوابة) أن الدعايا في صميم الحقل المعيشي قد تنطلي على تلك الشرائح، كون هذه الأخيرة ستقارن ما يبث إليها من رسائل بما تغرق فيه من حالة اقتصادية واجتماعية هشة، عندئذ سينزح الجمهور عن متابعة تلك الوسائل.

وهو ما ترجم وجسد في صورة إغلاق العديد من القنوات التلفازية، وتسريح عشرات الصحافيين من مؤسساتهم الصحافية، نتيجة لحالة الركود في سوق الإعلانات، وتراجع الإنفاق الإعلاني نتيجة جنوح الجمهور بعيدًا عن متابعة هذا اللون من الإعلام، الذي قد باع وطنه على قارعة الطريق.

اللافت أن الإعلام في السنوات الستة المنصرمة قد حصل على كارت بلانش، وأطلقت يده تمامًا في أن يسير ويستقل فلك إعلام وارسو التسعيناتي بنمط يخلو من أي تجويد، فقد استبد إعجاب القوم بتجربة وارسو الإعلامية، رغم اختلاف المكان والزمان، فضلًا عن إخفاق التجربة في تحقيق مبتغاها، فيقول الحمداني للناس فيما يعشقون مذاهب. غير أن القوم لم يأبهوا بفشل النموذج البولندي. إذ إن مواطني وارسو في تلك الحقبة كانوا في مرمى الدعايا التي تحوي الرسائل والمضامين المحشوة بالتزييف والخداع والتحريف المتعمد ما دفع بالجماهير البولندية الغفيرة إلى إعلان رفضها للدعايا السوداء التي توجه صوبهم بأساليب عدة، ليس موضع الحديث عنها الآن.

هل هزم الجمع؟ هل أصبح قلب القائمين على الشأن الإعلامي مطمئنًا لفشل وعجز عناصر تلك المنظومة الحالية التي تتصدر المشهد الإعلامي، وصار تغيير الدماء والإحلال والتجديد أمرًا لا مفر منه، وإن بزوغ هلال عكاشة هو ملمح من ملامح هذا الإحلال، على اعتبار أنه الفتى التي عجزت كل النساء على أن يلدن مثله. فجرى الدفع به في ذلك التوقيت ليفك طلاسم وشفرة مأزق فقدان المصداقية، ومحدودية التأثير.

إذ ظهر الملهم منذ أيام قليلة داخل إحدى استديوهات فضائية الحياة، مما جعل كثيرين يتكهنون بإمكانية قيادته للمشهد الإعلامي فيما هو قادم من أيام، وما يرجح صحة تلك الفرضية أن سالف الذكر قد أعلن في أحد البرامج أنه عائد إلى موقعه عبر شاشة فضائيته التي كبح جماحها منذ أكثر من عام، وأن موعد انطلاقته الجديدة ستكون في أول يوليو (تموز) القادم.

أفضى السلوك المعيب للجهاز الإعلامي إلى إتاحة الفرصة وإفساح المجال أمام شبكات تلفازية أخرى تبث من الخارج لملء الفراغ الشاسع الذي تركه الإعلام الداخلي كدويتشه فيله، وبي بي سي، وفرانس24، وغيرها.

فضلًا عن ذلك، أن هناك ما هو أعمق وأشد وطأة من كل ما جرى سرده؛ فإنه سيتمخض عن فقدان المصداقية أن أي محاولة صادقة تبغي في إصلاح الواقع الإعلامي ستعترضها عقبات جمة، أهمها أزمة انعدام الثقة المترسبة في أذهان المتلقي إزاء تلك المؤسسات؛ فالانطباع الأول يدوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد