في مقالته في مجلة نيويوركر بتاريخ 5 ديسمبر  2016 تحت عنوان «مدرسة فرانكفورت كانت تعلم أن ترامب قادم»، يحيل أليكس روس إلى دراسات بحثية مهمة لمثقفين انتظموا قبل عقود من الزمان في ما عرف بمدرسة فرانكفورت. مناسبة هذه الإحالة هو خبر شراء الحكومة الألمانية الفيلا التي أقام فيها الأديب الألماني توماس مان خلال منفاه الاختياري في الولايات المتحدة، فأنقدتها بذلك من الهدم إذ كانت السلطات المحلية على وشك التخلص منها بعدما قدرت قيمتها بأقل بكثير من قيمة الأرض التي بنيت عليها. قيمة البيت، كما يقول كاتب المقال، ليست فقط في أن كاتبًا كبيرًا عاش فيه، ولكن لأنه يعيد إلى الذاكرة لحظةً تراجيدية من التاريخ الثقافي الأمريكي. كان مؤلف «الموت في البندقية» و«الجبل السحري» قد لجأ إلى الولايات المتحدة في عام 1938، هربًا من النازية، واستقرّ فيها وتغنى بمبادئها. ولكن بحلول عام 1952، كان مان قد اقتنع بأن المكارثية لم تكن سوى مقدمة للفاشية، ما دفعه إلى الرغبة في الهجرة مجددًا. في ذلك الوقت كانت تجري محاكمات من اتهموا باعتناق الفكر الشيوعي في هوليوود، فاعتبر مان أن محاكم التفتيش والممارسات التي تنمّ عن عدم التسامح واستباحة الحقوق تحت ذريعة «حالة الطوارئ» تشبه ما جرى في ألمانيا قبل وصول النازية إلى الحكم.

يتابع الكاتب استعراضه لتلك الحقبة، فيقول: «لم يكن مان وحده من اختبر مشاعرَ الخوف من تكرار ما حدث في ألمانيا ما قبل النازية، في الفترة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فقد شاركه في ذلك عدد من المثقفين الذي التأموا في ما عرف بـ (مدرسة فرانكفورت) التي كان مقرها الأساس في معهد البحوث الاجتماعية في فرانكفورت. في عام 1950، وضع كل من ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو مؤلفًا أسمياه (الشخصية الاستبدادية)، كوّنا فيه بروفيلًا نفسيًّا واجتماعيًّا للشخصية (الفاشية المحتملة) استندا فيه إلى مقابلات أجرياها مع مواطنين أمريكيين، ظهر فيها بشكل واضح تراكم المشاعر العنصرية المناهضة للديمقراطية، والمصابة بالشك وبجنون العظمة. وكان أدورنو مقتنعًا بأن الخطر الأكبر على الديمقراطية الأمريكية يكمن في جهاز السينما والراديو والتلفزيون المشكّل للثقافة الجماهيرية، حيث يعمل هذا الجهاز، برأيه، بأسلوب استبدادي حتى في غياب نظام استبدادي بالمعنى السياسي، إذ يفرض الامتثال، ويسكت المعارضة، ويكتم الفكر. لم يكن ذلك بعيدًا عما جرى في ألمانيا النازية عشية الحرب».

صحيح أن مخاوف مان وأدورنو لم تتحقق، كما يقول روس، إذ بدا حينها أن خطر المكارثية قد زال، فقد تعززت الحقوق المدنية، وانتصرت حرية التعبير، وانتشرت الديمقراطية التحررية حول العالم، وبنهاية القرن، اعتبرت مدرسة فرانكفورت نموذجًا للكيتش الثقافي. لكن في السنوات الأخيرة، برزت مجددًا النظرية النقدية التي اعتبرت أن ما نشهده من تفاوت اقتصادي صارخ، وثقافة جماهيرية سطحية دليلان على أن ما يعرف بـ«سلاح الإلهاء الشامل» هو قناع لصرف النظر عن سيطرة النخبة.

يربط الكاتب هذه المقدمات بانتخاب دونالد ترامب رئيسًا، متوقعًا حلول الاستبداد الأمريكي في وقتٍ وشيك. في نصٍّ يعود إلى عام 1949 من كتاب «أنبياء الخداع» للكاتبين لوفنتال، وغوترمان نقرأ: «لقد وصلنا إلى مفترق طرق حيث علينا أن نقرر ما إذا كنا سنحمي القانون والنظام والأخلاق، أم أننا سنبيع أرواحنا إلى هؤلاء الخونة الحمر الذين يهددون أمريكا». أدورنو بدوره كان قد رأى الحياة في أمريكا وكأنها نوع من برامج الواقع: «انتهى الأمر بالرجال ليكونوا كومبارسات في فيلم وثائقي مخيف ليس له متفرجون، ذلك أنهم جميعًا يؤدون أدوارًا هامشية على الشاشة». والآن انتخب رجل أعمال ونجم برامج واقع ليكون رئيسًا للجمهورية. وسواء أعجبنا ذلك أم لا، فإن ترامب هو ظاهرة من ظواهر الثقافة الشعبية بقدر ما هو ظاهرة سياسية.

يستعرض الكاتب بعد ذلك أداء وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي خلال الحملة الانتخابية، حيث فشل فيسبوك في كبح انتشار الأخبار الزائفة تمامًا، كما نفضت شركات سيليكون فالي الاحتكارية يديها من الجرائم المرتكبة على الإنترنت. فحركة المرور على الإنترنت أو ما يعرف اصطلاحًا بـ Traffic أهم من الأخلاق. كذلك فعلت وسائل الإعلام التقليدية، فعرضت أخبار ترامب لأنها تحظى بنسب مشاهدة عالية، وكأنها عن وعي أو دون وعي منها، أرادت أن ينتخب ترامب فهو أكثر «تشويقًا» من هيلاري كلينتون.

حين أعلن عن شراء بيت توماس مان، صرح فرانك والتر شتاينماير وزير الخارجية الألمانية، والرئيس المحتمل لألمانيا، «في أوقات عاصفة كالتي نشهدها، نحن بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مراكز ربط ثقافي مع شريكنا الأهم خارج أوروبا». ربما كان شتاينماير يلمّح إلى أن البيت قد يصبح مركزًا للفكر العالمي، في مقابل تيار معادٍ للمهاجرين بدأ يجتاح أمريكا وأوروبا.

يختم كاتب المقال بالإشارة إلى تبادل أدوارٍ ربما سنشهده بين أمريكا وألمانيا. فبغض النظر عما سينتهي إليه نظام الحكم في أمريكا، يعتبر الكاتب أن هذه الأخيرة قد تنازلت عن قيادتها للعالم، وما شعار ترامب «سأجعل أمريكا عظيمة من جديد»، إلا أحد عباراته «الملتوية» والمحتملة لتأويلات عديدة، منها انكفاء أمريكا على نفسها. في المقابل، تبدو له ألمانيا وكأنها الصرح الأخير والأقوى في العالم للديمقراطية التحررية. فبعد تورط المملكة المتحدة  بانسحابها من الاتحاد الأوروبي، وتوجه فرنسا نحو اليمين المتطرف، وإيطاليا نحو الفوضى، يبدو البلد الذي كان لوقت طويل مرادفًا للقومية المتعصبة، مقاومًا للتقهقر السياسي والثقافي. في أعقاب صدور نتائج الانتخابات الأمريكية، نشرت مجموعة من النازيين الجدد خريطة للشركات اليهودية في برلين تحت عنوان «اليهود بيننا». وفيما رفضت إدارة فيسبوك إزالة المنشور، ساهمت صيحات الاحتجاج التي أطلقتها وسائل الإعلام ورجال القانون في محوها. مثل هذه المواقف تبين بأن الألمان لن يرضخوا كما يبدو للقوى التي اجتاحت الفضاء العام الأمريكي.

رغم ذلك، يبقى الخوف، كما يقول الكاتب، ليس من عودة هتلر، فالتاريخ برأيه لا يعيد نفسه بهذه الفجاجة، وما زال هناك إحساس بالخزي طاغي في جميع مناحي الحياة في ألمانيا، لكن الخوف من موجة مناهضة للديمقراطية تجتاح العالم، وقد لا تنجو حتى ألمانيا من ارتداداتها.

رابط المقالة: THE FRANKFURT SCHOOL KNEW TRUMP WAS COMING

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد