«لا أحد يموت جوعًا» و«لا ينام شخص دون عشاء»، مقولتان لطالما رنتا في أذني قبل إتمامى العقد الأول وحتى الحين، وحفرت تلك الكلمات بذهنى حتى بت أثق بها وأصدق قائليها. كنت أسير في الطرقات فأجد المشردين يفترشون الأرض في شدة الصقيع وأتساءل: أين يذهب هؤلاء؟ وبطفولة بلهاء أقنع نفسي أنهم لن يموتوا! أكد لي ذلك أحد الساسة في برنامج بالتلفاز.

أخرج إلى الشارع فيقابلني طفل ممزق الثياب، أشعث الشعر، متسخ الوجه، ذا وجه يغلب عليه البؤس والهرم يسأل المارة في ذل وانكسار ومسكنة أن يعطوه قوت يومه فيرق قلبي وتأخذني الشفقة تجاه وألعن المسؤولين عنه وعن أصدقائه في الشارع في كتمان، ثم أتذكر مقولة السياسي: لا أحد يموت جوعًا وكلنا نأكل.

بمروري على مقابر السيدة زينب في العاصمة المصرية وجدت سكانًا من الأحياء يمارسون طقوس يومهم بحياة لا تختلف عن الموتى كثيرًا بمعاناة الحصول على العيش ومخاطر ربما يرسمها عقلك ويخشى قلمى ذكرها، بالبحث والمتابعة قررت الدخول في ذلك العالم، فوجدت أن من حيث تنتهى حياة الآخرين يبدأون هم حياتهم، حياة في ظاهرها، يعيشون لكنهم في الواقع موتى في تعداد الأحياء، في المقابر يلتقى الموت بالحياة تحت الأرض توارى الجثث الثرى وفوق الأرض تصارع أسر معدومة من أجل البقاء.

شوارع غلب عليها الصمت بعد أن اتخذت من أسماء الموتى فيها عنوان للأحياء براءة قتلت وسط المقابر بعد أن اختلطت صراخاتهم بصراخات الحزن في المكان.

في حوش على مقبرتين واحدة للرجال والأخرى للنساء تعيش الحاجة رئيسة مع أسرتها التى يتجاوز عددها 15 شخصًا يفترشون الأرض للنوم وينتظرون رحمات الأموات ليكسبوا قوت يومهم يشكون تجاهل الدولة لهم وتهميشهم.

نحو مليوني مصرى يسكنون المقابر، هذا ما تقوله الأرقام الرسمية، لكن ما لا تقوله هو أن من يعيشون في مكان كهذا يشمون رائحة الموت في كل تفاصيل الحياة، يشعرون بالتهميش والإهمال من قبل الحكومات المتعاقبة التي عجزت عن تخفيف معانتهم وإيجاد حلول فعلية لهم.

خرجت من ذلك العالم الذي ينقسم بين الماضي والحاضر وأنا أردد الأكذوبة التي صدقها عقلي من تكرارها عليه (لا أحد يموت جوعًا، ولا أحد ينام دون عشاء).

مررت في الشوارع ليلًا فوجدت عجوز تفترش الأرض وترتعش من شدة البرد، فحمدت الله لسكان المقابر لأنهم وجدوا الأموات رحماء بهم وسمحوا لهم بالعيش معهم.

لكن في الحقيقة بحثت كثيرًا أن كان مات أحد قاطني المقابر أو العشوائيات، والتي تقدر وفق آخر إحصاءات بأكثر من ألف منطقة أو قاطني الشوارع أو سكان النيل بسبب الجوع أو البرد؟ فكانت الإجابة لا.

إذا فكيف يموت أطفال اليمن؟ جوعًا وبردًا، لماذا يموت أطفال سوريا؟ جوعًا وبردًا وقتلًا؟ فحمدت الله على حالنا أننا أفضل من اليمن وسوريا.

حتى فاجأتني الصدمة وامتلكني الحزن بعدما انتشرت الأخبار في المواقع الإخبارية المصرية والعربية ووكالات الأنباء المختلفة عن وفاة سيدة من شدة البرد أمام مبنى إدارة حي أول المحلة الكبرى في محافظة الغربية بعدما حاولت الاحتماء بهذا المبنى من -عدو الفقراء – البرد لكنها لفظت أنفاسها الأخيرة وقابلت ربًا رحيمًا ستشكو إليه حالها وحال 5 ملايين مشرد من زملائها في المعاناة وأشقائها في العذاب ممن لا يجدون قوت يومهم ولا يجدون من يرحمهم من ذلك البرد القاسي، المتوفاة التي تدعى منى طلعت الششتاوي مواليد 1965 ماتت بردًا حسب التقارير الطبية الأولى وبعد تعديل التقارير فهى ماتت لهبوط حاد في الدورة الدموية، تركت مجتمعنا القاسي بجرس إنذار لعله يصل إلى أولى الأمر عنا ويزعج نشطاء التواصل الاجتماعى الذين اجتمعوا على هاشتاج لإنقاذ الحيوانات من التصدير أو الموت لتصبح هذه العجوز وأشقاءها ممن ينتظروا مصيرها تريند على تويتر لطلب التبرع لهم والحل المجتمعى لإنقاذهم، لعلنا ننتظر بناء أكبر مسجد وكنيسة في العالم ونسند هذه الأموال لإنشاء شقق من حجرة واحد ومنافع تحمى هؤلاء المساكين من متقلبات الطقس والموت فقرًا.

لعلنا نفيق من أكذوبة أن لا أحد يموت جوعًا ونواجه الحقيقة المؤلمة بأن أكثر من 30% من سكان دولتنا تحت خط الفقر ونعمل على توفير حياة آدميه لهم حتى يجد الساسة احترامًا لأنفسهم وهم يقسمون بالله أن لا أحد يموت جوعًا ولا فقرًا ولا بردًا.

وفي النهاية رحم الله المساكين وغفر لنا تقصيرنا وسامح قلمي الذي يكتب نصف حقيقة ويرصد نصف صورة، لكن ما ذكر أهون مما في الواقع بكثير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد