تتحدث الميثولوجيا الإغريقية أن حكام أثينا أشرفوا على تنظيم مهرجان كبير في مدينة أولمبية مترافق بنشاط رياضي تكريمًا للإله زيوس أبو الآلهة والبشر، ولم يكن اختيار أولمبية عبثًا إذ أن صنم زيوس يقع على قمة جبل الأوليمب.

كانت الألعاب تقام في شهر إيكاتومبيون  (Hecatombeon) المقابل لشهر تموز وتبدأ بحفل ديني عند تمثال الإله زيوس ثم تأتي النساء لتطوف منشدةً الأناشيد الجنائزية حول قبر أخيل بطل أسطورة طروادة. في اليوم التالي تبدأ المسابقات التي اشتملت على الجري لمسافات مختلفة بما فيها الماراثون (سباق المسافات الطويلة) والمصارعة وغيرها من الألعاب.

كان المتسابقون يظهرون عراة في الاستاد، وتقبل في الألعاب الفتيات العذراوات فقط بصرف النظر عن أعمارهن، والحكمة في ذلك أن الفتاة يجب أن يتكون لديها فكرة سليمة وناضجة عن الحياة بما في ذلك الإعجاب بالجنس الآخر القوي، واختيار الزوج المثالي الصحيح البنية.

أمر الإمبراطور الروماني تيودوسيوس الكبير بإيقاف التظاهرة الأويمبية حيث رأى في الألعاب مظهرًا من مظاهر الوثنية حيث أن الرومان اعتنقوا النصرانية، وفي عام 426م أمر الإمبراطور تيودوسيوس الثاني، بإحراق معبد زيوس وتمثاله العظيم في أولمبية. ثم ضرب المنطقة زلازل قوية في عامي 522م و552م أكملت ما بدأه الأباطرة الرومان من خراب وأصبحت معابد مدينة أولمبية المقدسة وملاعبها أطلالًا غابت معظمها تحت رمال نهر كلاديوس (Kladeos) الذي غمرت مياهه المنطقة بعد تهدم السدود بفعل الزلازل. واختفت معالم مدينة أولمبية وضاعت الألعاب الأولمبية تحت التراب.

في العصر الحديث راودت الصحفي الفرنسي باسكال غروسيه فكرة تدريب الناشئة من جديد على الطريقة الإغريقية ووجوب بناء الملاعب في كل أنحاء فرنسا وطرح إحياء المسابقة الأولمبية الإغريقية في فرنسا. تلقف الفكرة البارون الفرنسي الشاب بيير دو كوبرتان ونادى من السوربون في اجتماع اتحادات ألعاب القوى الفرنسية عام 1892 بضرورة بعث الألعاب الأولمبية الإغريقية.

و ما هي إلا سنتين وخلال مؤتمر دولي رياضي يناقش فكرة الاحتراف والهواية في الرياضة سنة 1894 طرح دو كوبرتان فكرته التي نالت الإجماع لتبعث الألعاب الأولمبية من جديد وتنظم أول دورة في العصور الحديثة في أثينا 1896 مع أن دو كوبرتان كان يطرح باريس كمنظم لأول دورة إلا أن الحضور وافقوا على طلب اليونان بأن يتم الانطلاق من حيث كانت الألعاب في مهدها. (1)

قصة الألعاب الأولمبية وإحياؤها تعطينا صورة عن الفكر الغربي عمومًا والذي قام في العصور الحديثة على فكرة إحياء التراث اليوناني والروماني بدايةً من عصر النهضة (Renaissance)، فكل الأفكار السياسية والاجتماعية والاقتصادية الوليدة في ذلك العصر هي بنت تلك الحركة الإحيائية المتمردة على تراث القرون الوسطى الأوروبية.

وبالرغم من احتكاك الغرب بالشرق من بوابة الأندلس والحروب الصليبية ودويلات المسلمين في شمالي حوض المتوسط (صيقلية) الذي ساهم بتعريف الأوروبيين بتكنيكات العلم المتطور عند المسلمين في ذلك العصر إلا أن الأوروبي رفض بشكل قاطع تبني القيم الإسلامية، فهو يعتبر النسق الإسلامي غريبًا عنه ولا يؤمن أو يعتقد بأفكاره، لذلك عاد عميقًا في التاريخ منقبًا في الفكر الأفلاطوني حيث وجد جذوره الوثنية متحديًا الفكر الكنسي المتكلس بردة إلحادية سميت بالعملنة تتعامل مع الإله وإن اعترفت بوجوده كإسطورة مثل زيوس المنصوب على جبل الأوليمب في الأساطير اليونان القديمة.

هكذا بنى الإنسان الأوروبي حضارته في العصور الحديثة بالاعتماد على ما ترسخ في نفسه من عقائد عبر العصور فحافظ على أصوله الحضارية وبنى بناء يعيش ضمن نسقه التاريخي، بل إنه عمل على التنقيب وراء ذلك التاريخ المدفون وتلقف كل فكرة منه على أنها إلهام ووحي دافع للتقدم، فأفكار كالديمقراطية والمجالس التمثيلية كمثال ما هي إلا إحياء لتراث روماني قديم وكذلك تقديم قيم القوة والشجاعة وروح الفردية وإذكاء روح التنافس للبقاء التي تميز بها الرومان على قيم التواضع والتسامح والفداء في الفكر المسيحي للقرون الوسطى، كان في إطار عملية الإحياء تلك والتي شملت كل مناحي الحياة الأدبية والفكرية. هذه الأفكار هي ما وضعت البذور نحو تطور العلاقات الاقتصادية والسياسية من الإقطاع المرتبط بالكنيسة نحو الرأسمالية والاستعمار.

إنها روح الاستعلاء لدى النخب الغربية التي توارثوها جيلًا بعد جيل مع العداء الخالص لكل ما هو شرقي عمومًا وللمسلمين وحضارتهم بشكل خاص كونهم الخطر الحضاري المجاور لهم، وهي بالمناسبة موروث روماني يظهر جليًا في نظرة الرومان للفرس المنافسين لهم في التاريخ القديم، وفي طريقة تبنيهم للمسيحية بحيث رفعوا عنها كل طابع شرقي واستبدلوه بطابعهم الوثني الخاص، بل وصل بهم الأمر أن فرضوا رؤيتهم للنصرانية على بقية شعوب الشرقية في  الإمبراطورية. في مقابل أن المسلمين المتفوقين حضاريًا وقتها لم يكن لديهم أي فكرة لتدمير إرث الآخرين وانتهاك خصوصياتهم العرقية والحضارية فحتى الإمبراطورية العثمانية والتي شاب تجربتها الكثير من الشوائب، حكمت أرض اليونان دهرًا طويلًا لم تسع لطمس حضارتهم القديمة واحتقار شخصية السكان.

واليوم ونحن في القرن الحادي والعشرين حيث استحكمت حضارة الغرب وتجذرت في الأرض وطغت، وفي بحثنا كمسلمين عن استعادة فردوسنا، نجد بعضنا يزدري أي دعوة لحركة إحيائية لدينا، فتراهم يسيرون خلف الغرب خطوة بخطوة مؤمنين بنظريات التطور الخطي للتاريخ التي صاغها هيغل وماركس عندما تدرس التاريخ من وجهة النظر الأوروبية، ويرون أننا حللنا في نهاية التاريخ وأن ما وصل إليه الغرب اليوم هو الكمال التام فلا يوجد ما نضيفه إليه أو نغيره فيه، ويصرون على المسير في نفس الدرب متجاهلين أن الغرب هو أول من سيقف في وجه مسيرتهم هذه فتعريفهم للبشر والإنسان لا يتضمن الكائن الموجود خارج حدودهم الحضارية، فكما أن روما وإمبراطورها أورليانوس وقفت في وجه طموح مملكة تدمر وملكتها زنوبيا التي قامت على نفس الأسس الحضارية الرومانية، فدمرتها بدل أن ترى فيها مكملًا حضاريًا معها. تقف أمريكا اليوم في وجه أي تجربة تتلمس نفس الخطوات الغربية لكنها تريد الخروج عن سيادة العم سام للعالم.

غريب هذا الانهزام وغريب إرادة فرضه علينا، فتجدنا إن تحدثنا عن إحياء مصطلحاتنا الإسلامية كالخلافة والبيعة والشورى والولاية وإخراجها بطرق متناسبة مع العصر وواقع المسلمين نواجه بالتهكم والاتهام بأننا حالمون بعيدون عن الواقع وكأن الواقع خلق ليستمر لا ليتغير، بل زاد الهجوم ليشمل كل التراث الإسلامي بدعاوى مختلفة وما ذلك إلا نتيجة العمل المضني لفرق الاستشراق وعلماء الأنثروبولوجيا (2) عبر مئات السنين لنزع العزة والاستعلاء من نفوس المسلمين، فصدق علينا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم. (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ). والحديث في البخاري.

هذه العيون التي لا تبصر بعيدًا في التاريخ لا تستطيع أن ترى أبعد من الواقع، فليت موسى مونتيفيوري(3) اليهودي البريطاني الثري الحالم سمع شيئًا من تثبيطهم حين عمل لتحقيق حلم أرض إسرائيل في فلسطين المأهولة وقتها بالسكان والمحكومة من قبل دولة كبرى وإن ضعفت، قبل مئتي سنة من الزمان. لكنا ارتحنا من وجود دولة إسرائيل على أرض فلسطين اليوم.

إننا ندعو لحركة إحياء لحضارة إسلامية منطلقين من أن هذا الدين هو الحق من رب العباد وأن الله تعبدنا بعمارة الكون ونشر الخير فيه، فهي استمرار لدعوة الحق التي قادها الأنبياء والرسل مذ خلق الله الإنسان واستخلفه في هذه الأرض فالحضارة لا تقوم على أسس مستوردة بل على أسس أصيلة، ولن ينتج حضارة الإيمان المختلفة بقيمها من هزم وقرر التقدم في ركاب حضارة الوثنية القائمة.

قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.

 سورة آل عمران 84 ؛ 85

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد