باسم الثورة رفعت الجلسة، الرفاق يتسربون إلى جبال ظفار، كان حلمًا لتغيير العالم، لطرد المستعمر، هم أناس يطلقون على أنفسهم «جيش التحرير الشعبي»، يحلبون الماعز ويزرعون الأرض، يفتحون المدارس للأطفال، النساء على أكتافهن السلاح، وعلى رؤوسهن يحملن الماء من مسافات بعيدة لا لشيء إلا لتغذية الثورة

كلمات الرفيقة هيني، أو المخرجة «هيني سرور» والتي أخرجت فيلم «دقت ساعة التحرير» في عام 1974 المقتبس اسمه من أحد مقاطع أغاني «جبهة تحرير عمان» لتسجل للعالم أحد النماذج المنسية عن محاربة الاستعمار وظلامية الجهل والديكتاتورية.

بدايات وتواريخ

ظفار.. هي إحدى أقاليم سلطنة عمان، وعر من حيث طبيعته الجغرافية وهذا ساعد على نمو النزعة الانفصالية في الإقليم، إلا أنه التحق بسلطنة عمان في عهد السيد تركي بن سعيد (1877 – 1879).

عندما تولى الحكم «سعيد بن تيمور» في عام 1932 نزل بمدينة «صلالة» إحدى مدن إقليم ظفار الرئيسية، إلا أن «سعيد» أخذ بفرض الإتاوات (الضرائب) وعمل على تجهيل أهل ظفار فلم يكن في عهده إلا مدرسة واحدة للبنين يذهب إليها أبناء الطبقة العليا من القبائل والتابعين له. وكان «سعيد» مدعومًا من الاستعمار الإنجليزي وقوة الرجعية القريبة من عمان مثل «شاه إيران» وقد سمح للشركات الأجنبية الدخول إلى الإقليم من أجل التنقيب عن النفط.

في عام 1963 – أطلق «مسلم بن النفل» أول طلقة في الثورة على فرقة تنقيب أمريكية عن البترول وهرب إلى الدمام واتصل بالإمام «غالب بن علي» والذي تدعمه السعودية من أجل الإطاحة بنظام «بن تيمور».

وفي 9 يونيو 1965 أعلنت ثورة «ظفار» وحددت أهدافها بالإطاحة بنظام «بن تيمور» وإنشاء نظام قومي عربي، وهذا بعدما قام حزب البعث العراقي بتدريب جنود ظفاريين قاموا بالعديد من العمليات ضد الشركات الأجنبية المنقبة عن النفط وحتى محاولة اغتيال «بن تيمور» في عام 1966. وكانت كل من السعودية والعراق تدعمان هذا الحراك لأسباب متناقضة إلا أنها ساعدت الظفاريين على التقدم في تنفيذ مخططات ثورتهم.

في عام 1968 أعلنت «حركة تحرير ظفار» في مؤتمر «وادي حمرين» أنها تنتهج فكر «الماركسية – اللينينية» وأنها ستقوم بالوقوف ضد الإمبريالية والرأسمالية وستنهي نظام القبلية والإقطاع في الإقليم. قد ساعدت دولة اليمن الجنوبية الحركة حيث سمحت لها بفتح محطة إذاعية لتبث أفكارها من محافظة المكلا اليمنية.

المنهج التربوي للثورة

ما تميز به الثوار في ظفار أن مشروعاتهم التربوية لم تكن حكرا على أي من أفراد المجتمع بل كانت سياستهم التربوية موجهة للجميع. وهنا سنتحدث عن الأهداف التي ارتكزت عليها الفلسفة التربوية لثورة ظفار، أما فكر الثورة ذاته فيمكننا أن نقول إنه كان مزيجا من القومية العربية والماركسية اللينينية الاشتراكية

هكذا تسجل «مي جعبوب» ابنة إقليم ظفار التجربة التربوية الثورية في ظفار. حيث نجد أن أهم أهداف الحركة الثورية كانت محو الأمية عن طريق إلزامية التعليم والعمل على نشره وهدفت الحركة إلى تغيير الواقع السياسي والاجتماعي فكان من الضروري لثوار يريدون أن يحدثوا تغييرا أن يقوموا بالتالي: بالقضاء على سلطة القبيلة، فالمجتمع في ظفار قائم على أساس قبلي، وهو مقسم إلى فئات ولأن الفكر العام لقادة الثورة ماركسي فإن الثوار كانوا يصفون التركيبة القبلية بأنها نظام طبقي منذ مؤتمر حمرين، معتبرين إياها عدوهم الأول ما عدا ذلك فقد ظلت الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي تصف الوضع القبلي بالطبقي وتسعى لمحاربته، وبهذا الفكر نجحت الجبهة إلى حد كبير في القضاء على النزعات القبلية والعشائرية، ونشر الثقافة الماركسية كبديل للقبلية. وهذا ما ظهرت ثماره مع مرور الوقت فيذكر أحد تلاميذ مدارس الثورة أنهم كتلاميذ كانوا ضد سلطة القبيلة والامتيازات الممنوحة للقبائل الأرستقراطية، فهو يقول «من شدة كثافة الدروس التي تلقى علينا عن أن النظام القبلي نظام ظالم وطبقي ويجسِّد الرجعية والتخلف، تولدت لدينا قناعة داخلية ألا نكتب أسماء قبائلنا، بل نكتفي بالاسم الثلاثي أو الرباعي من دون ذكر القبيلة، فلم تجبرنا الجبهة على ذلك، بل نحن فعلنا ذلك عن قناعة، وبعض زملائنا كانوا يكتبون أسماء قبائلهم ولا ضير في ذلك، وعندما حصلتُ على بعثة دراسية لسوريا كانت الاستمارات في سوريا بها خانة لاسم الأسرة أو العائلة ومن قناعتنا أنا وكثير من زملائي لم نكتب اسم العائلة وقلنا: ليست لنا عوائل أو قبائل».

وقامت بتحرير العبيد وتحرير المرأة وتمكينها لتصبح مقاتلة وقائدة عسكرية ومرشدة سياسية، كما أعطيت حقوقها المدنية كاملة فأصبحت قادرة على رفض أو قبول الزواج في بقعة لم تكن المرأة فيها أكثر من تابع للرجل. وتذكر إحدى التلميذات: «كنا نفرح كثيرًا إذا سمعنا أن إحدى بنات القبائل تزوجت من خارج فئة القبائل الأرستقراطية، ونعتبر ذلك دلالة على أننا نتطور ونحقق العدالة الاجتماعية، وسنتخلص من نظام لم يمثل سوى الظلم والكسل».

كما أنه أسندت لقوات جيش التحرير الشعبي مهمات ذات طابع اجتماعي واقتصادي كمساعدة الفلاحين في الزراعة والري والحصاد وشق الطرق. 

انتهاء الحلم

التوجهات التحررية للحركة الظفارية لم ترق للكثيرين، وبالذات شيوخ بعض القبائل وأصحاب النزعات المحافظة. فجرت حركة تمرد داخلية مسلحة في سبتمبر 1970، عرفت في أدبيات الجبهة بـ«الحركة الانقسامية»، لكن سرعان ما تمكنت الثورة من قمع تلك الحركة. لكن بتولي السلطان الجديد – قابوس بن سعيد – مقاليد الحكم في نفس العام، تحول جزء من مقاتلي الثورة القريبين من الحركة الانقسامية إلى خدمة السلطان الجديد وشكلوا ما عرف بالفرق الوطنية. إن تنامي الثورة بين صفوف الجماهير قد شكل هاجسًا لدى دول الجوار وكذلك القوى العظمى. إلا أن أهم تدخل خارجي حدث في عام 1973 حين طلب السلطان قابوس من شاه إيران إرسال قواته للمساهمة في قمع الثورة، وهذا ما حدث. كما قامت الأردن أيضاً بإرسال قواتها لنفس الغرض. وفي الحقيقة فإنه لا توجد أرقام موثقة لحجم هذا التدخل، إلا أن المصادر قدرت المشاركة الإيرانية بين ثمانية آلاف إلى إثني عشرة ألف مقاتل بكامل عتادهم وبغطاء جوي – بما في ذلك قوات النخبة الشهيرة بـ«جاودان»، الحرس الإمبراطوري – كما قدرت التدخل الأردني بآلاف المقاتلين ووصل تقدير البعض إلى أربع وعشرين ألفا، لكنها تبقى تقديرات غير موثقة. لكن الحدث الأهم كان تصفية الجناح الماوي في اليمن الجنوبي بقيادة الرئيس سالم ربيع علي المؤيد بشدة للثورة. تلا ذلك تفاهمات بين القيادة اليمنية الجنوبية الجديدة ودول الخليج، ولا نعلم حتى اللحظة ما مضمون تلك التفاهمات وفيما إذا كانت قد أفضت إلى التضييق على الثوار وتمكين الدولة العمانية من هزيمتهم. أيا كان الأمر، فقد أعلن السلطان قابوس نصره في 11 ديسمبر (كانون الثاني) 1975، لكن المعارك استمرت وكان آخرها معركة عارام في 9 مايو (أيار) 1979.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب تاريخ الخليج العربي الحديث والمعاصر ل جمال زكريا قاسم المجلد الخامس الخاص بثورة ظفار بداية من صفحة 137 الفصل الرابع تحت عنوان انهيار الحركات اليسارية
عرض التعليقات
تحميل المزيد