خليل سعيد
خليل سعيد

  زرت عديدًا من الدول والمدن من قبل، لكنني لم أر يومًا هذا التفرد الحضاري الذي تقدمه سلطنة عمان لزوارها. أصدقائي العمانيون كثر، وأجزم أنني أضعهم في مقدمة الشعوب العربية وربما شعوب العالم في حسن الخلق وجمال الطبع وطيبة القلوب. لا مثيل لبسمتهم الدائمة ولا شبيه لإنسانيتهم العميقة. وقد قذفوا في قلبي حب بلادهم دون زيارتها، إلى أن كتب الله لي أخيرًا أن أصل مكان العين التي تنتج هذا الماء العذب.

الاختلاف مع المعتاد يجعلك تشعر وكأنك انتقلت عبر الزمن والمكان إلى كوكب قرر أهله المزج بين الأصالة والمعاصرة بشكل متفرد، شكل الهويّة العمانية يعكسه أولًا الأزياء التي في جمال صيغها الذكورية والنسائية تحمل عمقًا نبيلًا هو الحد من بروز الاختلاف الاجتماعي في كل شيء. عمان اشتراكية في أزيائها، عالمية في مراكز تسوقها، محتضنة في رحمة قوية لوافديها. الشعب العماني يحدث عمالته الأجنبية بلسانها العربي المبتدئ حتى لا يشعرها بالغربة. العمانيون يعرفون عن أنفسهم بالاسم والنسب تقصيرًا لمسافة المعرفة بين الناس.

في عاصمة كمسقط، تحضر القلاع حاملة تاريخ العرب والبرتغال الذين طردهم اليعاربة بكلّ شجاعة وغيرهم. يتألق البحر لينتج أروع المناظر. العمران ينفرد بتركيزه في جمال العمق دون حاجة للطول فتخال المدينة كلها فيلات لأهلها وتتساءل أيوجد من يمكن أن يدعي الفقر في بنية كهذه. العاصمة تسودها الثقة والأمن المطلق، فلا ترى زيًا عسكريًا إلا أمام قليل من المنشآت الحكومية.

المساجد في مسقط تأخذ العيون والقلوب، أولًا بمعمارها الفريد الذي يجعل كل صومعة معلمة حضارية حقيقية. وثانيًا بخدمتها ونظافتها التي تجعل تمضية الوقت فيها راحة حقيقية، وهي طبعًا لا تفرق بين الاختيارات المذهبية بل تصنع التسامح وتتفهم الاختلاف. عمان التي أسلمت في سلام بعد رسالة رسولنا الكريم التي حملها عمرو بن العاص إلى حكّامها، وصمدت على إسلامها في مرحلة الرّدة ونشرت الإسلام في جنوب شرق آسيا والصين والهند عبر معاملاتها التجارية التي عكس نبل أهلها خلق الإسلام من خلالها.

الفعاليات في مسقط قائمة وتجمع ساكنة المدينة الجميلة في أنشطة تواصل دائم عائلية الأجواء. أما ميناء اليخوت ومنطقة موج التي تحتضنها فهي قبلة شباب المدينة ومركز تلاق بمعايير عالمية. البنية التحتية العمانية قوية، طرق وطنية عالية الجودة تتفوق على الطرق السّيارة في بلدان كثيرة. مطار مسقط الدولي يملك من المواصفات ما يؤهله لمنافسة أجمل مطارات العالم، وميناؤها يذكّر بتاريخ خليج عمان منذ أن كان أهم ميناء المحيط الهندي.

مسقط مؤهلة لتصبح وجهة شبابية دولية ولا ينقصها لذلك غير القليل من الاستثمار في استقطاب شركات الطيران منخفضة التّكلفة، وتوسيع العرض الفندقي ببنية استقبال شابة من مآوي الشباب، وتوسيع شبكة المواصلات المحلية لتجعل الحافلات العمومية أكثر وفرة. كما أنّ القرب من الإمارات المتحدّة قد يشجّع وكالات الأسفار الدولية على تقديم عروض تجمع بين إثارة دبي، وأصالة أبوظبي وطبيعة وتاريخ مسقط.

والأكيد أنّ ما تقدّمه مسقط لزوارها هو مجرّد نموذج لثروة إنسانية حضارية أكبر بكثير تحتضنها باقي مدن السلطة كصحار المركز الصناعي لشمال الباطنة، وعاصمة البلاد السياحية صلالة على الساحل الجنوبي، وصحم في الجزء الشمالي للبلد بكل حصونها وقلاعها التي تشهد على تاريخ عريق ومتجدّر في ماضي الإنسانية، وغيرها من المدن الكثيرة والمواقع الأثرية كخور روري والشصر والمحميات الطبيعة كعين حمران ورأس الحد الذي تشهد سلاحفه أنّ شمس العرب تشرق كلّ يوم من عمان أوّلا.

عمان تحمل كل مقومات الوجهة السياحية العالمية التي تسحر عشاق الطبيعة والمعمار المختلف والثقافة الراقية، وطباع أهلها النبيلة تجعلها تأسر أفئدة الزوار وتجعل العودة لها أملا يغز والقلوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك