إليهم وإليه!
إلى الذين عكرت المآسي صفو أيامهم، وإلى الذي لم يكترث وباغت.

إلى الذين هوى بهم الصمت في مكانٍ سحيقٍ، وإلى الذي نفّض عن نفسه التراب وجاهد.

إلى الذين هشمتهم نار الافتراق، وإلى الذي حمل لواء الوحدة العربية وصارع.

إلى الذين تؤرق أفكارهم تفاهات الأمم، وإلى الذي أوجعته مصائب موطنه وقاوم.

لعلها المفارقة المخجلة والواقع المؤلم، ما بين جموع الساكتين وحماس شابٍ يشارف العشرين، ما بين ارتضاء الظلم والطغيان واندلاع ثورته كالبركان..
لعلها بداية نهوض! ولكن كان قبلها بداياتٌ عدة ولم يتغير من الألم شيء ولم ننهض!
نحن نتفاءل بالصمت، نحلم بمستقبلٍ مشرقٍ لا يجد الشمس، نرى ونتألم ونكمم
الأفواه، ولا يحرك غيرتنا طواغيت الظلم.. ربما لأننا ارتضينا صناعة الطواغيت في بلادنا، فهل سنجرؤ على مقاومة طواغيت الدخلاء! ارتضينا بواقعنا القاسي، ولكنه لم يرض!
يطل بهيئته المضيئة كإشراق الشمس وصفو ضحاها، يحسبه الناظر إلى براءة شبابه أنه لا يعرف من هموم الحياة شيئًا، ولكنه بداخلة قضية يتناساها العديد من أبناء جيله، حمل على عاتقه قضيةُ نضالٍ حتى تحقق له ما أراد ونال من ربه أحسن الجزاء في الدنيا وجُل المنازل في الآخرة.

عمر أبو ليلى، الشاب المغوار الذي تحلى بصفات سابقيه من عظماء الأمة الإسلامية الذين سُطِّرت أسماؤهم في روايات الجهاد و النضال في سبيل الله ورفعة راية الإسلام ليكتب اسمه معهم بحروفٍ من ذهب.
كان يعلم تمامًا أن ما يلزمه للنضال لا يضاهي ولو جزءًا بسيطًا من معدات وأسلحة العدو، ولكن نيران الثورة والحنق من المحتل بداخله أرشدت عقله أن يرسم طريقًا بسيطًا يستطيع بيه تنفيذ ما يتمناه.
سكين خضار.. إذا سألتك عن تلك الأداة فستجيب أنها يتم استخدامها في العديد من بيوت العرب لتجهيز موائد الطعام الضخمة والفاخرة لتملأ البطون تمام الملء، أو يتعامل بها الشباب الطائش بين بعضهم البعض في الصراعات الشبابية التافهة، ولكن عمر رأى في هذا السكين وسيلةً لتحقيق غايته الشريفة وهدفه الأسمى.. ابن التاسعة عشر ربيعًا الذى وُلد في بلدة الزاوية غرب محافظة سلفيت أمسك بسكينه واقتحم تجمعًا لجنود الاحتلال وطعن أحدهم واستولى على سلاحه ثم أطلق النيران على العديد من الجنود الإسرائيليين، ولم يكتف ذلك البطل عند هذا القدر حيث قام بالاستيلاء على مركبة إسرائيلية وهاجم بها أكثر من تجمع للمستوطنين والجنود.
وقد أعلن «جهاز الأمن الإسرائيلي (الشاباك)» أن هذا الاشتباك نتج عنه
إصابة جنديين بجراح خطرة ومقتل جندي والحاخام المستوطن أحيعاد إيتنجر الذي سبق وأن قام بقتل وإحراق عائلة دوابشة في نابلس كما أنه كان مسؤولًا
عن المدرسة الدينية العسكرية والتي تخرج منها المستوطنون المجندون في الجيش الإسرائيلي.
جاء الرد بعد ذلك من قوات الاحتلال حيث تسللت وحدات خاصة على هيئة سيارات خضار إلى القرية لتحاصر المنزل الذي تحصن فيه عمر لتتبعها عشرات الآليات وطائرات الاستطلاع. وعلى الرغم من ذلك فلقد استمرت فدائية وشجاعة عمر وظل يقاوم قوات الاحتلال حتى انتهى هذا الاشتباك بمقتل عمر الذى صعدت روحه إلى خالقها تزفه الملائكة شهيدًا.
ويبدو أن اعتناق عمر لتلك القضية لم يكن محض صدفة وإنما عقيدة توارثها من أمه الصابرة التي تروي تفاصيل استقبالها للخبر أنها قامت بالزغردة فرحًا لما قام به ابنها البطل الشهيد.
وما كان عمر إلا استكمالًا لسلسلة روايات الفدائيين في فلسطين المحتلة مثل ما قام به رائد عبد الحميد مسك وقتله لـ20 مواطنًا إسرائيليًا، وشادي النابهين الذي قامبتفجير نفسه حينما كان يقود دراجته بالقرب من دورية إسرائيلية، وباسل الأعرج وصالح البرغوثي وغيرهم.

ثمة بطولات فردية يقوم بها مناضلون قرروا أن يحملوا راية الجهاد على عاتقهم، فمتى يأذن الله لنا باندلاع جماعي عربي من المحيط إلى الخليج حتى تعود فلسطين حرة إلى أهلها وشعبها الصابر؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد