لم يكن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- مجرد صاحبي من عموم الصحابة، بل لم يكن أحد المقربين لرسول الله -ﷺ- فقط، وإنما كان عمر ميزانًا للعدل، وفارسًا للحق، ومجتهدًا في الفقه.

عمر في أدب جم وإيمان عميق كان يناقش رسول الله مجتهدًا في غير ما قطع به القرآن الكريم من أحكام، وقد وافق القرآن رأيه واجتهاده في مواضع قاربها العلماء من 20 موضعًا، فعن مجاهد قال: «كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن»، وعن علي قال: «إن في القرآن لرأيًا من رأي عمر»، وعن ابن عمر مرفوعًا: «ما قال الناس في شيء وقال فيه عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر».

ولعل أشهر تلك المواضع موقفه من الأسرى يوم بدر، وموقفه من حجاب نساء رسول الله -ﷺ-، وموقفه من الصلاة في مصلى إبراهيم -عليه السلام- في البيت الحرام، وفي تحريم الخمر، والثناء على الله في آية مراحل خلق الإنسان في سورة المؤمنون، وغيرها.

مع انقطاع الوحي بوفاة النبي -ﷺ- كان المسلمون يتعرضون لمسائل ومستجدات حياتية ربما كان يتمسكون بما كانوا عليه أيام النبي فلا يتطرقون إليها، هذه المسائل والمستجدات ما كانت لتمر على عمر -رضي الله عنه- مرور الكرام، فتصدى لها وهي تكاد تكون عند أصحاب رسول الله من الثوابت التي لا تقبل النقاش، والمقدسات التي لا تمس، لكنه خاض غمارها بسيف الفقه ورجاحة العقل، وأبحر في أمواجها العاتية بقارب الإيمان وسلامة النفس؛ ابتغاء المصلحة العليا للإسلام.
كان مما تعرض له عمر مسألة اختيار اسم الخليفة لرسول الله، هل يكون الملك أم خليفة خليفة رسول الله -ﷺ- أسوة بلقب خليفة رسول الله الأول أبي بكر -رضي الله عنه-، حتى استقر بعد مشاورات مع الصحابة ومن حوله على اسم أمير المؤمنين، خاصة لما ارتبط اسم الملك في أذهان الناس بمن يضع الشيء في غير محله وموضعه.

من القضايا الشائكة التي ظهرت بعد وفاة رسول الله -ﷺ- توزيع الغنائم، والمعهود أنها كانت كما جاءت في الأنفال توزع قسمة على خمسة أخماس، (الله والرسول– قرابة النبي– اليتامى– المساكين– ابن السبيل) وبموت رسول الله راح خمسه، ولما كان النبي لا يورث، إذن راح سهم قرابته، أما وقد ظهرت مشكلة في سهمين فما الحل؟ فاختلفوا في الرأي في ما بينهم، هل يذهب سهم رسول الله لمن صار خليفة له، وسهم قرابة رسول الله لسهم قرابة الخليفة، لكن التفكير في الأمر كان مفاجأة للصحابة لا سيما وهناك نص مقطوع به في القرآن، لكن عمر الذي يرى المستجدات ويراجعها وفق منهج الله (الكتاب والسنة وإجماع الصحابة) توصل معهم على توزيع السهمين على الثلاثة مع رعاية مصالح المسلمين العامة منهما، وعلى هذا مضى الخلفاء الأربعة، رضي الله تعالى عنهم.

ومع الانتصارات واتساع رقعة الأرض الإسلامية في عهد عمر ظهرت مشكلة توزيع الغنائم على المسلمين، وكان أبو بكر -رضي الله عنه- الخليفة الأول والمسلم الأول بعد رسول الله -ﷺ- يوزعها بمبدأ المساواة، فيعطي كل الناس مثل بعضهم، وكان لعمر رأي آخر، لكنه لم يستطع تنفيذه في حياة أبي بكر، فلما تولى من بعده الخلافة، راح يوزع على الناس حسب قرابتهم من رسول الله، حسب بلائءهم في الإسلام، حسب أقدمية دخولهم الإسلام، وأبى أن يساوي بين من أسلم مع رسول الله -ﷺ- من أول يوم فرأى الأهوال وذاق الطرد والتشريد والعذاب، وبين من كان يحارب رسول الله حتى أسلم، ولم يكن منهج عمر -رضي الله عنه- ثابتًا دومًا في أمور الحياة، فهو متغير بتغير الأحوال والزمان وآليات الواقع التي يحتكم الناس إليها في المعيشة، فلما كان في آخر عمره، رضي الله عنه، ورأى أن ناسًا كثر مالها وناسًا أخرى تعيش كفافًا، وأخرى ميسورة الحال، وبدأ يشعر أن الطبقية راحت تتسلل إلى مجتمع المسلمين، قرر أن يعدل عن رأيه في التوزيع ليجعل لذلك نظامًا آخر يحفظ حياة الناس بما لا يظهر الطبقية في المجتمع المسلم، لكن الأجل وافاه رحمة الله عليه، ولم يسعفه العمر حتى يفعل ذلك.

من القضايا التي ظهرت قضية توزيع الأراضي الزراعية التي بدأت تتسع كل يوم عما قبله، وكيف ومن يديرها، وما المرجو منها للحاضر والمستقبل، حتى دون الدواوين وأخذ يقسم على الناس بما يحفظ حق الجيل القادم، ويجعل له من تعب آبائهم الأوائل ميراثًا.

من القضايا خروج الرجل المتزوج للجهاد، وكم المدة التي يقضيها، وهل يبقى طول ما تحتاجه الحرب أو يعود إلى زوجته، وقد وازن عمر فيها وضرب أروع المثل في فهم الدين وأولوية الرجل وحق الأسرة والزوجة، وقد راجع ابنته -رضي الله عنها- في المدة التي تتحملها المرأة لبعد الرجل عنها وأخذ برأيها وأمضى في تنفيذ قراره.

من القضايا قضية بناء جيش من المسلمين، وتجنيد الناس في هذا الجيش مقابل المال على غير المعهود وهو التطوع، حتى يبقى للدولة جيش قوي يقف في ساحة الجهاد والحرب سواء زاد المتطوعون أم قلوا.

كل تلك القضايا وغيرها أظهرت الجانب الخفي عنا في شخصية عمر، رضي الله عنه، لتبين عظمة ذلك الرجل، وسعة فقهه، وقوة حجته، ومرونة فكره مع تطورات الزمان واختلاف البيئات، إذ بينت تلك الأحداث أننا أمام شخصية عبقرية تشريعية متميزة أضفى ذلك التميز على أحكامها وتشريعاتها ثقلًا، وجعل لحجته قوة، ولفترة خلافته بريقًا إيمانيًّا وتشريعيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا تهفو إليه على الدوام نفوس المسلمين، وجعلت من منهجه المتعمق في الواقع والمتماشي مع تطوراته منهجًا صالحًا للعطاء والتجدد مع اختلاف العصور، وتطور آليات الواقع.

رضي الله عن الفقيه والمجتهد والإمام العادل خليفة خليفة رسول الله -ﷺ- أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد