إن تاريخ الفتوحات الإسلامية ليس قاصرًا على المعارك الحربية والمعاهدات التي عقدت فيما بعد بين المسلمين وأهل البلاد المفتوحة، من يرى تاريخ الفتوحات الإسلامية من هذه الجهة فقط فهو يراها من جانب واحد فحسب.

الفتوحات الإسلامية كالنهر العذب الذي إذا شربنا منه لا نرتوي إطلاقًا ونطلب المزيد، تاريخ الفتوحات مليء بالأخبار الرائعة والفريدة التي يستعجب منها الجميع ويجعلها تحت بند حدث أقرب للخيال. ولكن لِم العجب؟! خاصة أن هذه الواقعة حدثت في عهد خليفة عادل متميز بالورع والتقوى كالخليفة “عمر بن عبد العزيز” الذي ذاع صيته وملأت سيرته الطيبة الدنيا بأكملها فتلمّس الجميع منه العدل حتى لو كان من أهل الملل الأخرى.

جرت العادة في الفتوحات الإسلامية أن يكون لها أسس وقواعد، فالمسلمون قبل دخول مدينة كان لا بد لهم أن يخيروا أهلها بين ثلاثة أمور، الأمر الأول: الإسلام، والأمر الثاني: دفع الجزية مقابل البقاء على دينهم والدفاع عنهم، والأمر الثالث: وفي حالة رفض أهل المدينة هذين الأمرين (الإسلام- الجزية)؛ يتم إعطاؤهم مهلة ثلاثة أيام، ثم يبدأ القتال بعد ذلك.

فماذا لو حدث غير ذلك، لو لم يلتزم القائد الإسلامي خلال فتح أي مدينة بهذه الأسس والقواعد ماذا يكون رد فعل خليفة المسلمين؟ خاصة إذا كان للقائد الإسلامي حينها دوافع نبيلة جعلته يقدم على هذه الخطوة من أجل رفعة الدين وإعلاء راية الإسلام.

تذكر روايات التاريخ، أن فتح (سمر قند) تم على يد القائد (قتيبة بن مسلم الباهلي) وتروى بعض المصادر أنه فتح (سمر قند) دون تطبيق الأمرين الأولين (الإسلام أو الجزية) ولجأ للخيار الثالث (القتال) في أول الأمر.

وكان أهل مدينة (سمرقند) قد سمعوا عن أسس الفتح الإسلامي وأدركوا أنها لم تطبق في حالتهم هذه، فاتفق الكهنة على أن يبعثوا رسولًا منهم إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز يخبرونه بما فعله (قتيبة بن مسلم)، ولا شك أن أمل هؤلاء كان أمل اليائسين فكيف ينصر أمير المؤمنين أهل دين آخر على أهل دينه حتى لو كانوا ظالمين.

قطع رسولهم المسافة من سمرقند إلى دمشق، ولا شك أنه كان يقول في قرارة نفسه إنها رحلة بلا فائدة وكيف لشخص مثلي أن يقابل أمير المؤمنين؟! وكيف يتسنى له دخول قصر الخليفة؟! وهل سيسمح الخليفة له بالجلوس معه والتحدث عن ظلم قائده في مدينته سمرقند؟ »لا بد أنني واهم في ذلك«.
دخل رسول أهل (سمرقند) دمشق ووجد بناءً ضخمًا يقصده عدد كبير من الناس فظن أنه قصر خليفة المسلمين فسأل أحد المسلمين: أهذا قصر أمير المؤمنين؟ فقيل له لا إنه المسجد، ودله هذا الرجل على بيت خليفة المسلمين، وقال له: اذهب إلى هذا البيت وكان من الطين فتعجب رسول سمرقند من ذلك.

وذهب إلى البيت فوجد رجلًا يتسلق على الحائط يصلحه، فرجع إلى المسلم الذي دلّه على البيت فقال له: أتهزأ بي؟! فأقسم له أن ذلك بيت الخليفة.  فذهب إليه وسلّمه الرسالة فقرأها، فكتب عمر رسالة أخرى وعليه ختمه مفادها: أن تنعقد محكمة يترأسها قاضٍ حدد عمر اسمه، وعاد الرجل إلى (سمرقند) حاملًا تلك الرسالة.

فانعقدت المحكمة واستمع القاضي لمظلمة الكهنة وأهل (سمرقند)، وبعد التأكد من صحتها قال: إن الله ما نصر هذه الأمة إلا باتباع الدين واجتناب الغدر، وإنّا والله ما خرجنا من بيوتنا إلا جهادًا في سبيل الله، ما خرجنا لنملك الأرض ولا لنعلو فيها بغير الحق. وحكم القاضي بأن يخرج المسلمون من البلد ويردوه إلى أهله، ثم يتبعوا أسس الفتوح الإسلامية معهم قبل مقاتلتهم.

تعجب الكهنة من هذا الحكم وظنوا أن هذا الحكم لا يتعدى حيز تنفيذه المكان الذي عقدت فيه المحاكمة، ولكن ما هي إلا ساعات قلية حتى خرج المسلمون من المدينة وتفاجأ أهلها من عدل القاضي وأمير المسلمين فدخل من شاء منهم في الإسلام ومن بقي على دينه التزم بدفع الجزية. لنكون بذلك أمام مشهد من أروع مشاهد التاريخ، وأمام محكمة هي في رأينا من أعدل وأعظم محاكمات التاريخ أيضًا.

وعظمة الإسلام بالعدل والرحمة وليست بالظلم والجور، وما كان للإسلام أن ينتصر ويتوغل في قلوب ملايين من البشر في عالمنا الحالي إلا بالرحمة والعدل والتسامح وحسن الخلق.

فإذا كنت حريصًا على رفعة الإسلام وإعلاء رايته فتذكر قول الله تعالى في سورة آل عمران: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد