نمضي وكلنا نحب عمر، ونرفعه على الرءوس؛ لما أنجز لهذه الأمة؛ لكننا نجد البعض من الجهلاء أو الحاقدين يتصيدون حادثة هنا أو هناك، وتكون موثقة في التاريخ، ولكن التأويل والفهم يختلف كما نقول في الحكمة العامية المصرية: «حبيبك يبلع لك الزلط وعدوك يتمنى لك الغلط».

ونظرًا لأن عمر أحكم قبضته على سواري كسرى، وأزال عرشه ناسين أنهم جزء من هذه الأمة، وأنهم مسلمون رغم الاختلاف، سنقف مع حديث في صحيح البخاري عن احداث وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ورغبته في كتابة كتاب للأمة، ورفض عمر لهذا، وكيف تناوله السابقون؟ وماذا جد لنعرضه هنا بكل سعة أفق من خلال ربط الأحداث في سياقها العام دون اجتزاء.

روى ابن عباس بأنه (لما اشتد الألم بالرسول صلى الله عليه وسلم قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا! فاختلفوا وكثر اللغط، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: قوموا عنى، لا ينبغي التنازع عندي، فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كتابه البخاري، ك العلم رقم 114.

وقد شرحه الكثير من العلماء وسوف أنقل وجهة نظرهم بالنص مع محاولة الاختصار والتبسيط في اللغة ما أمكن؛ لنصل لعقول وقلوب أغلقها الكره والبكاء على المجد المسلوب من الفرس ـ تحديدًا ـ ناسين أن هذا الدين رفعهم قبل أن يرفع بلادهم، كما رفع كثير من الأقطار التي دخلت في دين الله.

فمن شرح الإمام النووى

كلنا نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الكذب، ومن تغير شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته وحال مرضه، ومعصوم من ترك بيان ما أُمر ببيانه وتبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه، وليس معصومًا من الأمراض والأسقام العاضة لكل البشر ونحوها، مما لا ينقص من منزلته، ولا فساد لما تُمهد من شرعيته، وقد سُحر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى صار يُخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يكن فعله، ولم يصدر من الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحال كلام من الأحكام مخالف لما سبق من الأحكام التي قررها.

فإذا علمنا ما سلف وأقررنا به سنجد إن الخلاف قد كان في ما هية الكتاب الذي هم الرسول صلى الله عليه وسلم بكتابته، فقد قيل عدة أقوال بخصوصه منها:

1- إن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن ينص على الخلافة في إنسان معين لئلا يقع نزاع وفتن من بعده.

2- أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبين في كتابه مهمات الأحكام، ملخصة ليرفع النزاع، ويحقق الاتفاق المنصوص عليه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حين ظهر له أنه ـ أي الكتاب ـ مصلحة أو أوحى إليه بذلك، ثم ظهرت المصلحة في تركه، أو أوحي إليه بذلك، ونسخ ذلك الأمر الأول.

فماذا عن رد عمر رضي الله عنه؟

اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل ثقة عمر بنفسه، ودقة نظره، وحسن إيمانه؛ لأنه خشي أن يكتب الرسول صلى الله عليه وسلم أمورًا ربما عجزوا عنها، واستحقوا عليها العقوبة لأنها منصوصة ولا مجال للاجتهاد فيهان فقول عمر: حسبنا كتاب الله. كقول الله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ. ٣٨الانعام)، وكقوله جلا وعلا: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا. المائدة 3).

فهم عمر أن الله قد أتم دينه وكمل التشريع فهو يأمن على الأمه من الضلال، وأراد الترفيه «الترويح وإراحة» عن الرسول صلى الله عليه وسلم فرفض أن يكتب الرسول، وهذا يدل على أن عمر أعلم وأعمق فقهًا من ابن عباس.

وقال البيهقي: لا يجوز أن يحمل قول عمر على أنه توهم الغلط على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ظن به غير ذلك مما يليق به بحال، لكنه لما رأى ما غلب على الرسول صلى الله عليه وسلم من الوجع وقرب الوفاة، مع ما اعتراه من الكرب خاف أن يكون ذلك القول مما يقول المريض مما لا عزيمة له فيه، فيجد المنافقون بذلك سبيلًا إلى الكلام في الدين، وقد كان الصحابة يراجعون الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور قبل أن يجزم بها بحم، كما حدث يوم الحديبية، وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش، فأما إذا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالشيء أمر عزيمة وإصرار فلا يراجعه أحد منهم.

وقول عمر حسبنا كتاب الله موجه لمن يجادله ويناظره في أمر الكتاب وليس ردًا على أمر الرسول.

وعلق الشيخ طنطاوي على ذلك فقال

عمر تعود خلال صحبته الطويلة للرسول صلى الله عليه وسلم أن يبدى رأيه لما يعلم بإذنه له بذلك ولرضاه عنه، وقد مر من أخبار صحبته، مواقف كثير كان يقترح فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أمورًا ويطلب منه أمورُا ويسأله في غيرها فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقره على ما فيه الصواب ويرده عن الخطأ فلما قال الرسول: (ائتوني أكتب لكم كتاب) اقترح عليه عمر كعادته التي عوده الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكتفى بكتاب الله، فأقره الرسول، ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم يريد الكتابة فعلًا لأسكت عمر وزجره ومضى لما يرغب.

وهنا ملمح آخر في هذا الأمر فلربما كان اختبار من الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة ـ ربما ـ ومقدار وعيها وفهمها لأمور الدنيا المرتبطة بالدين فلما وجد الرسول صلى الله عليه وسلم عمر يفهم أن كتاب الله كاف وشامل، اطمئن وقرت عينه لأن عمر سيفهم كل الإشارات التي صدرت من الرسول أثناء مرضه وسيكون حجر الركيزة في أمور الخلافة بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم للرفيق الأعلى.

وصدق حدس الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كان هذا ما بدر من عمر يوم سقيفة بنى ساعدة، وما سبقها من مقدمات بني ساعدة.

نكمل في المقال القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد