أثبتت التجربة التركية والتجربة الماليزية قدرة المسلمين في العصر الحديث على التميز؛ فلم تعد جميع الدول الإسلامية على الهامش، فتركيا بعد أن كان وضعها الاقتصادي مترهلًا ووصل التضخم إلى قرابة 55% أصبحت تركيا الآن من أبرز القوى الاقتصادية في العالم، وتربعت تركيا على المركز السابع عشر في الاقتصاد، ووصل التضخم في يومنا هذا إلى 10%. ومنذ عشر سنوات كانت نسبة النمو 9.5 % سلبية أما في يومنا هذا فقد أصبحت تركيا تنمو بنسبة 9.9% إيجابية. والآن تركيا في قائمة الدول التي حققت أكبر نسبة نمو في العالم، لم تكتف تركيا بالجانب الاقتصادي فقط، فقد نهضت تركيا في جميع النواحي؛ الصحة والتعليم والزراعة ومعدل دخل الفرد، والكثير من الجوانب التي تحتاج مقالًا آخر لكتابتها.

أما بالنسبة لماليزيا؛ فكانت تعد دولة من دول العالم الثالث عشر وليس الثالث، ولكن مجيء قائدٍ غيَّرَ فكرًا وأسسًا كانت قائمة عليها الدولة جعل هذه الدولة تنطلق انطلاقة لا مثيل لها. فتعد ماليزيا اليوم في طليعة الدول التي تسمى نمور آسيا، وهي التي خرجت من أسر التخلف ودخلت في نادي الدول المتقدمة، وهي الدولة المسلمة الوحيدة بين هذه المجموعة، ويقوم اقتصادها على التنوع كما هو حال ثقافتها الفسيفسائية.

حسب تقرير التنمية البشرية الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة لعام 2001م لأهم 30 دولة مصدرة للتقنية العالية، جاءت ماليزيا في المرتبة التاسعة متقدمة بذلك على كل من إيطاليا والسويد والصين.

ماذا فعل هؤلاء القادة للرقي بدولهم بهذه الصورة؟ بماذا بدؤوا وبماذا اهتموا؟
لن نخوض في هذا المقال غمار التجربة الماليزية والتركية، ولكن من خلال تجربة أقيمت قبل قرابة 1400 سنة ستعطى لكم أسس إقامة الدولة.

إنها التجربة التي لم يصل المسلمون إلى أعلى منها من ناحية العدل والحرية، ولا أظن أن دول العالم اليوم قد وصلت إلى ما وصلت إليه التجربة العمرية من عدل وحرية وحفظ حق المواطن، ومن وجهة نظري أن هذه الحقبة كانت الذروة التي وصل لها المسلمون حضاريًّا.

(التجربة العمرية)


عمر رجل دولة

كيف تعامل عمر مع دولته وكيف أدارها؟
ما هو أول شيء اهتم به وما هي أهم الأعمال الحضارية التي قام بها؟

في هذا المقال فقط سنوضح جانبًا من جوانب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو جانبه الإداري وكيف قام بإدارة دولته. وما سأذكره لكم هي بعض إنجازات وأعمال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه).

أولًا: وضع دستور الدولة ومنح الهيبة للقانون


في أول خطبة خطبها عمر (رضي الله عنه) وضع دستور دولته (قوانين الدولة الجديدة) فقام بتوضيح القوانين للناس، وكان أول أسس حكمه هو العدل، وأنه لا فرق بين غني وفقير وبين صاحب سلطة وعبد، ساوى بين الجميع. مقطع من خطبة عمر بن الخطاب تتضح فيه هيبة القانون (… إني وليت أموركم أيها الناس، فاعلموا أن تلك الشدة قد أُضعفت، وأنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدي على المسلمين، فأما أهل السلامة والدين والقصد، فأنا ألين لهم من بعضهم لبعض، ولست أدع أحدًا يظلم أحدًا أو يتعدى عليه حتى أضع خده على الأرض، وأضع قدمي على الخد الآخر حتى يذعن بالحق، وإني بعد شدتي تلك أضع خدي على الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف).

لم يضع فقط هيبة للقانون بل طمأن أهل العفاف والكفاف العاملين المنتجين بأنه ألين لهم من بعضهم لبعض وأنه لن يَضيعَ لهم حقٌّ وهو حاكم.

ثانيًا: الحقوق والواجبات – وفصل السلطات

وفي هذه الخطبة أيضًا وضح حقه على الشعب وحق الشعب عليه “ولكم علي أيها الناس خصال أذكرها لكم فخذوني بها: لكم علي ألا أجتبي شيئًا مما أفاء الله عليكم إلا من وجهه. ولكم عليّ إذا وقع في يدي ألا يخرج مني إلا في حقه، ولكم علي أن أزيد عطاياكم وأرزاقكم إن شاء الله تعالى وأسد ثغوركم، وألا أُحَمْركم في ثغوركم (يجمدهم ويمنعهم من العودة)، وألا ألقيكم في المهالك، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا إليهم. فاتقوا الله عباد الله! وأعينوني على أنفسكم بكفها عني، وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحضاري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. اللهم لا تدعني في غمرة، ولا تأخذني على غرة، ولا تجعلني من الغافلين”.

في هذه الخطبة وضع عمر قانونًا لمحاسبة الحكام. أي أن عمر بن الخطاب أول من فصل السلطة القضائية عن السلطة التشريعية والتنفيذية، كان راتبه درهمين حلة في الصيف وحلة في الشتاء ودابة.

ثالثًا: الاقتصاد


بعد وضع أسس الدولة وتحديد مهام القائد، أول ما اهتم به عمر بن الخطاب هو الاقتصاد لبناء الدولة وجعل الناس يعيشون برفاهية (نستنج هنا أن الاقتصاد شرط أساس لإدارة أي دولة وهذا أيضًا ما اهتم به أردوغان عند بدء دولته).

الخطوة الأولى: فوضح الأهداف عامة أي وضح رؤية الدولة للناس ليشارك كل فرد في بنائها

1-زيادة دخل الفرد

2-إدخالات وإخراجات الدولة (تخفيض المصاريف وزيادة الإنتاجية)

3-زيادة مستوى المعيشة

4-حماية الثغور

5-حفظ الأمان

مشروع للأمة

نشر رسالة الإسلام، وجه الناس نحو هدف واحد، أشركهم في رؤية


ثم بدأ بالحث على العمل، فلا يمكن أن ينهض اقتصاد بأمة لا تعمل, فأتى بمعاذ بن جبل وجمع الآيات التي تحث على العمل فوجد أن العمل ذكر 300 مرة، وبدأ معاذ يخطب على العمل (لاحظ كيف استخدم الإعلام).

فكان يجب على الجميع أن يعمل حتى لو كان لديه مال، لأنه لا يعمل لنفسه بل يعمل لتقوية أسس الدول.

(رأى مارًّا يسأل العشاء فقال عمر عشوه فأخذه الصحابة فعشوه، ثم رآه مرة أخرى قال للناس ألم تعشوه قالوا بلى، فأخذه عمر فأدبه فقال أنت تاجر ولست بسائل).

الخطوة الثانية: نريد أمة تعمل.. هكذا كانت بداية عمر في تحسين الاقتصاد

(وهذا من أسباب نهضة ماليزيا؛ فكانت سلطة ماليزيا تهتم بالمواطن حيث أدى هذا الاهتمام إلى تبادل مشاعر الاحترام مع السلطة، إذ غالبا ما تقوم الحكومة بإشراك المواطنين في النقاش حول القضايا الاقتصادية عبر المجالس التي خصصت لذلك، ولهذا فإن المواطن الماليزي يشعر دائما بأنه هو المستهدف من عملية التنمية، وأن نهضة بلاده تقوم عليه كفرد قبل كل شيء، فعندما سأل أحد الاقتصاديين العرب عاملا ماليزيا بسيطا عن سر المعجزة التي حققتها بلاده، أجاب ببساطة: “لقد طُلب منا العمل لثماني ساعات في اليوم، فعملنا ساعتين إضافيتين كل يوم حبا للوطن”).

الخطوة الثالثة دعم المشاريع الخاصة


فبدأت الدولة تقرض المواطن لفتح مشاريع صغيرة. وأول من حصل على قرض من الدولة كانت هند بنت عتبة 4000 درهم، ليحث أيضًا الشباب على فتح مشاريعهم الخاصة ما نسميهم الآن Entrepreneurs، فأول من نفذ هذه الفكرة كان عمر بن الخطاب.

فبدأت الشركات الخاصة تكثر مما أدى إلى زيادة التدفق المالي للدولة، هنا حرك عمر الاقتصاد (فكانت تعتمد خطته الإستراتيجية على إسعاد وخدمة الناس فالناس تنتمي لمن ساعدها).

الخطوة الرابعة إبداع عمر في أربع أفكار جديدة لتنمية الاقتصاد


1-وزارة الأوقاف

أول من بدأ بفكرة الوقف كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأوقف أرضًا وكانت محاصيل هذه الأرض أو إنتاجها يذهب إلى التعليم (مقسم إلى قسمين 1-قراءة وكتابة 2- حرف يدوية). فبدأت الناس تتشجع لتوقف أراضيها وكثرت الأراضي الموقوفة لله، فأقام ديوان الأوقاف، وقسم دخل المحاصيل:

  • محاصيل لرعاية المرضى (مما يعني أن فكرة التأمين الصحي أول من بدأ بها كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه)
  • محاصيل لتعليم الأطفال
  • محاصيل للحرف اليدوية
  • محاصل لدعم المشاريع الجديدة… إلخ

2- تغيير قانون الضرائب

بدأ عمر يضع زكاة على أي شيء يتاجر به، مثال (الخيل لم يكن يؤخذ عليها زكاة في زمن النبي صلى الله وسلم لأنها كانت تستخدم في الحرب أو في التنقل. أما في عهد عمر فأصبحت الخيل يتاجر بها وهناك من يملك أكثر من فرس).

هنا يأتي فهم مقاصد الشريعة. ما هو الهدف من الزكاة؟ على من فرضت؟ وعلامَ بنى عمر أحكامه؟ فلم يقم حد السرقة على من سرق لإطعام نفسه، وقال أمنوا العمل ولن يسرق أحد.

3- استثمار الأراضي وتعميرها

هنا قام عمر بفكرة إبداعية رائعة لتحفيز الناس على تعمير الأرض ورفع الاقتصاد في نفس الوقت، فقال (من أحيا أرضًا فهي له). (ويمنع أي شخص يترك الأرض من غير تعمير أو زراعة سنتين فإذا لم تعمر أخذت).

فهنا اضطر الجميع لزراعة أو تعمير ما قدر عليه، وتحمس الناس وارتفع الاقتصاد، فبدأت المحاصيل تزيد وبدأ المال يزداد.

4-أول أرض للثروة الحيوانية (الحمى)

فخصص عمر أرضًا زراعية ترعى فيها الإبل والبقر والغنم، وقال من أراد أن نغذيها له فلنا نصيب معه. وهنا طبق عمر مبدأيْن؛ مبدأ اكسب وكسبwin win ، وأيضًا طبق مبدأ الشراكة.

رابعًا: الوزارات والسجلات القانونية

الوزارات

1-وزارة الخزينة(خزينة الدولة)

2-وزارة التعليم

2-وزارة الصحة

3- وزارة الأوقاف

4- وزارة ترشيد الإنفاق

السجلات

1-سجلات للعائلات

2-سجلات للجند

4- سجلات للأنساب

5-سجلات للأرامل

بعد أن أنعش عمر الدولة اقتصاديًّا ورتبها من ناحية الوزارات، وبعد وضع خطتها الإستراتيجية

كيف تصرف عمر بهذا المال؟ كيف وسع على الناس؟ كيف غير فكرهم؟ وكيف تصرف مع المدن التي فتحها؟ وكيف أصبحت من أقوى دول العالم في ذلك الوقت؟


هذا المقال طرح فيه جانب عمر الاقتصادي.

عمر بعد إنشاء دولة (السياسي – العلاقات الدولية – العسكري)

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد