«من الإنصاف أن يُعرف للسيد عمر مكرم فضله في هذه الحركة الشعبية فقد كان بلا جدال روحها وعمادها». الرافعي

وُلد القائد عمر مكرم  حسين الأسيوطي عام 1750 مـ /1164 هـ بمدينة أسيوط، وذهب للقاهرة للدراسة بالأزهر الشريف، ثم تولى نقابة الأشراف عام (1793 مـ / 1208 هـ)، تميزت حياته بالجهاد المستمر ضد الاحتلال، والنضال ضد الولاة وظلمهم، وكان صاحب وعي عميق، عاش مع الناس آلامهم، وتحمل العنت من أجل مبادئه وأحلامه.

قاد الحركة الشعبية ضد ظلم المملوكيين (إبراهيم بك / مراد بك) عام 1795، وطالبهم بتحكيم الشريعة الإسلامية، وإقامة العدل، ورفع الضرائب عن كاهل الفقراء.

قام بتعبئة الجماهير المصرية للمشاركة في القتال ضد الفرنسيين عندما اقتربوا من القاهرة سنة 1798.

سقطت القاهرة بأيدي الفرنسيين في سنة 1798 وعرضوا على عمر مكرم عضوية الديوان الأول؛ إلا أنه رفض ذلك وخرج من مصر لكي لا يكون تحت رحمة المستخربين الفرنسيين.
وبعد قرابة عام ونصف عاد عمر مكرم وتظاهر بالاعتزال ببيته، لكنه كان ينسق مع علماء الأزهر وقيادات الزعامة الشعبية لثورة أخرى عُرِفت بعد ذلك بثورة القاهرة الثانية وذلك سنة 1800.

خمدت ثورة القاهرة الثانية مما جعل عمر مكرم يضطر حينها للهروب مرة أخرى لانكشاف أمره، وقام الفرنسيون بمصادرة أملاكه بعد أن أفلت من أيديهم، وظل خارج مصر حتى 1801.

في عام 1804 قاد النضال الشعبي ضد ظلم المماليك وطغيانهم، وفي 1805 ضد الوالي خورشيد باشا حيث امتنع علماء الأزهر عن إلقاء الدروس، وأُغلقت الدكاكين بأسواق المدينة، واحتشد الناس بالميادين، ولم يوافق عمر مكرم على تولي الحكم بعد خورشيد باشا رغم طلب الشعب والزعماء منه ذلك، وذلك لأنه لم ينظر إلى العثمانيين على أنهم غزاة مغتصبون، ولكن كان ينظر إليهم على أنهم حماة للإسلام، ومن ثم فالثورة على «خورشيد» كانت ثورة على الحاكم الظالم بصفته الشخصية وليست ثورة على النظام السياسي، لذلك فإن توليه للحكم من خلال هذه الثورة قد يفسره العثمانيون على أنه ثورة ضد دولة الخلافة، أما اختيار «محمد علي» -وهو من جنس القوم- لتولي حكم مصر فلن يثير غضب الباب العالي بدرجة كبيرة، وقال للزعماء صراحة: «لا بد من تعيين شخص من جنس القوم للولاية».

وفي يوم 13 مايو 1805 قرر الزعماء بدار الحكمة عزل خورشيد باشا وتعيين محمد علي، وفي 16 مايو أقرت المحكمة الشرعية ذلك، اجتمع محمد علي بالزعماء الشعبيين ووعد الناس بأن يحكم بالعدل وأن تكون لهم سلطة ورقابة.

في عام 1807 قاد عمر مكرم المقاومة الشعبية ضد حملة فريزر في حماد ورشيد، وأمر الجميع بحمل السلاح حتى رجال الأزهر والمشايخ، ونتج عن ذلك فوز المصريين وهزيمة الحملة وجلاؤها عن مصر.

لم يمكث محمد علي كثيرًا وفيًا بوعوده؛ففي سنة 1809 فرض الضرائب الباهظة على الشعب مما جعل الناس يلجؤون لعمر مكرم، واعترض المناضل على قرارات محمد علي ورفض أن يذهب لمقابلته وقال: «إن كان ولا بد فاجتمع به في بيت الشيخ السادات» واعتبر محمد علي ذلك إهانة له، فخلعه من منصب نقيب الأشراف وأمر بنفيه إلى دمياط، وزعم أمام الناس أن عمر مكرم تواطأ مع المماليك، وأنه أدخل في دفتر الأشراف بعض الأقباط واليهود نظير بعض من المال.

وبنفي عمر مكرم اختفت الزعامة الشعبية، وحل محلها «مشايخ الوقت» كما سماهم الجبرتي، وسيطر عليهم محمد علي وأغدق عليهم بعطاياه من المال والاستقطاعات.

ظل عمر مكرم 10 سنوات بمنفاه، وعندما عاد للقاهرة تقاطرت الوفود حوله، ولم ينسوا زعامته، أما الرجل فكانت السنون قد نالت منه، فآثر الابتعاد عن الحياة العامة.

لم يكتف محمد علي بما فعله، بل زاد على ذلك أن فرض ضرائب أخرى كثيرة سنة 1822 وانتفض عامة الشعب لذلك، فخشي محمد علي أن يكون لعمر مكرم يدٌ في ذلك؛فنفاه مرة أخرى، لكنَّ قدر الله كان في انتظار الشيخ حيث توفاه الله وهو في منفاه خارج القاهرة وذلك في نفس العام.

يقع مدفن السيد عمر مكرم في منطقة صحراء المماليك بمنشية ناصر بالعاصمة المصرية القاهرة، كما يُطلق اسمه على أحد أهم مساجد القاهرة بميدان التحرير وأمامه تمثال له، ويوجد تمثال آخر في مدخل مدينة أسيوط، بارتفاع 5.5 متر، فوق قاعدة ارتفاعها 3.5 متر.

رحم الله الشيخ المناضل وجعل ذلك في ميزانه يوم القيامة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

النضال الشعبي ضد حملة فريزر تأليف محمد فرج
سيرة السيد عمر مكرم بقلم محمد فهد
عمر مكرم صوت الحرية ورائد الديمقراطية المصرية ... تأليف أ.د /محمود متولي،تقديم السفير أيمن القفاص
عرض التعليقات
تحميل المزيد