تحية طيبة وبعد، صديقي على الجانب الآخر من حياة المصريين، أرسل إليك برقية عزائي في جدك الراحل، أقدر مشاعرك الصادقة تجاهه، وأعلم حزنك الشديد لفراقه، يحدث هذا لدينا أيضًا في مصر التي لا تعرفها، وعرفها جدك دون فائدة، صديقي على كل حال البقاء لله في مصابك الأليم. لكن هل أخبرك والدك عن مصابنا نحن طيلة 30 عامًا حكم فيها جدك مصر؟ ربما أمور الحكم والسياسة شغلته عن ذلك، ومعه الحق في الحقيقة، وأنت حينها كنت طفلًا، لا تحزن، سأحكي لك.

قرأت ما كتبت عن جدك، في البداية قلت: حفيد ينعي جده، فليس أقل من هذا في تلك المواقف الأليمة، لكني انتبهت لحقيقة الأمر، وحديثك عن بكاء السماء على فقيدكم، وعن الموتة الكريمة، وحزن ملايين المصريين، والجنازة والحداد، وعن الذين يقضون حياتهم في السجون منذ سنين، هؤلاء المتآمرون كما وصفتهم أنت.

موتة كريمة! من أخبرك أن تلك هي الموتة الكريمة؟ ربما لو سألت جدك قبل موته لأخبرك الحقيقة، فالأبطال وحتى الملوك لا يموتون بتلك الطرق العادية التي تصلح لنا أبناء الشعب، يموت الأبطال في ساحات المعارك وفي السجون وعلى أعمدة المشانق، وبرصاص الأعداء.

سمعت قصة قصيرة أهديها لك، ربما تفهم ما أريد، أمير مسلم، احتل العدو بلاده ووقع في الأسر، وفي أحد الأيام أحضروا له أواني الطعام، فلما فتحها وجد رؤوس أبنائه الثلاثة، فقال هكذا يموت أبناء الملوك، فإن كان هكذا يموت أبناء الملوك فكيف يموت الملوك أنفسهم يا صديقي؟

تحكي عن السجون ومن بها، لماذا يا صديقي؟ السجن في حد ذاته ليس منقصة أو مفخرة، المهم كيف تدخل هذا السجن، هل لأنك تعبر عن رأيك، وتطالب بالحرية؟ أم أنك متهم في قضية القصور الرئاسية؟، فإن كنت ترى السجن لا ينقص من قدر سكانه، فلا بأس عليهم من كلماتك، وإن كنت تراه منقصة لمن به الآن، فقد سكنه من قبل جدك وأبوك وعمك لسنوات، حتى وإن كانت سجونًا خمسة نجوم.

قبل أن أنسى، لا تنس أنت أن تسأل والدك عن عدد من سجنهم واعتقلهم جدك الراحل، ولماذا فعل بهم الأفاعيل، هل تعرف المواطن عماد الكبير؟ بالتأكيد لا، لا عليك صديقي فأبوك يعرف، قل له فقط عماد الكبير ودعه يحكي لك، لكن الآباء يخشون على أبنائهم من الحكايات المخيفة، أعلم ذلك، إذا يمكن أن يقوم «يوتيوب» بالمهمة، ودعه يحسب كم نصيبه في تركتنا، أقصد تركتكم، وإن كانت النتيجة واحدة.

صديقي عمر، هل أخبرك جدك عن كارثة الدويقة، وعبارة السلام، وقطار الصعيد، والعبارة سالم إكسبريس، والسلام 95، وحريق مجلس الشورى، وشهداء طابور العيش، وتزوير الانتخابات، وأكياس الدم الفاسدة، والمبيدات المسرطنة، وبيع الغاز لإسرائيل، والواسطة والرشوة وخالد سعيد وسيد بلال، والحزب الوطني، ومكاتب أمن الدولة، والتوريث، وتهريب الآثار، والخصخصة، وديون مصر، وحوادث الطرق، والاحتكار، واللوحات المعدنية، وغلاء الأسعار؟ أم أخبرك فقط بالضربة الجوية الأولى وكؤوس أمم أفريقيا الثلاثة؟

كنت أود أن أشاركك الحزن يا صديقي، أنت تتذكر له المحاسن بالتأكيد، لا عيب عليك في هذا، فقد فعل معك الكثير، القصور والسلطة والسطوة والثروة وكل ما تريد، أعرف ما فعله معك جيدًا، لكن هل تعرف ما فعله معنا نحن، الجانب الآخر من الحياة لكم، «إحنا ولاد الكلب الشعب يا صديقي»، بالنسبة لك لا أعاديك ولا أكرهك، نصيبك من الدنيا أن تولد في أمريكا وتقيم في قصر القبة، أما جدك فكل الكره والعداء له يا عمر، لقد ظلمنا وأرعبنا وأفقرنا وأذلنا وجوعنا وسرقنا وأفسد علينا الحياة، وأضاع مستقبل أجيال قادمة، صديقي البقاء لله، لكن هل وعى جدك هذا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد