لم يخفق عمر طاهر أبدًا في أن يصل إلى عقلي ويستأثر بانتباهي، فما إن أبدأ في قراءة كتابٍ أو مقالٍ له حتى لا يهدأ لي بالٍ سوى عندما أنتهي منه، وأشعر حينها أنني أديت واجبي كقارئ تجاه كاتبه المفضل. ومن ناحية أخرى أُشبع جزءًا من روحي يستطيع أن يرويه عمر طاهر بكتابته وفنه وصوته الإذاعي وحضوره المحبب (الخفيف).

منذ أن تعرفت على عمر، ولا أذكر حيثيات تعارفنا بالضبط، وأنا أراه صديقًا قبل أن يكون كاتبًا، تجمعنا نفس الاهتمامات والرؤى، ونؤمن بنفس المبادئ، ولدينا نفس المذاق الموسيقي، وكلانا يجد في الكتابة ملاذًا، وفي الكوميديا السوداء فنًا، وفي تفاصيل مصر حبًا وانتماءً ودفئًا خاصًا.

ولأصف بالضبط الحالة التي يُدخلني فيها عمر، أذكر في مرة كنت أدندن أغنية أُحبها، لكن لم تكفني الدندنة فأردت أن أستمع إليها من مطربها، فأخذت أبحث على تطبيقات الموسيقى المختلفة، لكن لم أعثر عليها، ولا أعرف لذلك تفسيرًا إلى الآن، فحاولت أن أقنع نفسي أنني دندنتها بشكل رائع يكفيني تمامًا عن أي تطبيق موسيقي، وعن أي «ميجابايت» زائدة تسمح لي بتصفح «يوتيوب». ركبت بعد ذلك حافلة إلى منزلي، وإذ بالسائق يفتح الراديو وتبدأ الأغنية وأنا في ذهول لا أفهم ما يحدث، لكنني سعيدة جدًا لاستجابة القدر بهذه السرعة. تذكرت حينها عمر طاهر، ولا عجب في ذلك!

يستطيع عمر بمنتهى البساطة والاحترافية أن يعبر عما يجول في خاطرك، وأن يحكي عن ذكرياتك وكأنه عاشها معك، وأن يصف لك بيتك وكأنه زائر دائم وصديق للعائلة. وعن نفسي أنا أعده كذلك. أرى أنه يكتب عن شيء صعب، لكنه يفعله بطريقة بسيطة، فيُخرِج لنا تجربة فريدة عبقرية. عمر  لا يتحدث عن قضايا معقدة، ولا فلسفات أو نظريات علمية، هو يغوص داخل الشخصية المصرية، ويحكي تفاصيلها بمنتهى الانسيابية، وهذا ليس بالأمر السهل، لكن المثل يقول: «حلاوتها في بساطتها».

وبالنظر إلى مؤلفاته من الكتب مثل: «برما يقابل ريا وسكينة»، «كتاب المواصلات»، «كُحل وحبهان»، «ابن عبد الحميد الترزي»، «كابتن مصر»، «شكلها باظت»، «الكلاب لا تأكل الشوكولاتة وآخرين». وأخص بالشكر الأخير لأنه اصطحبني في جزء من مشوار الثانوية العامة، وأول من علمني أن الكاتب «لازم» ولابد عن أن يكون قارئًا. كل كتاب يصف فيه عمر حالة خاصة مررت بها وأُذهل من وصفه لكل تفاصيل الحكاية، حكاية عشتها أنا كما يصفها بالضبط.

عمر  له شكله المميز في الكوميديا، كما يقول: «الضحك من أجل الضحك»، يصف الأوضاع السياسية في مصر بطريقة لا تشبه تعقيدات رجال السياسة، يبدو كأنه صديق لك يُدردش معك بصحبة فنجال شاي بالنعناع وقت العصر. تتسامر معه في ما جرى وما سيجري، يحكي معك عن ذكريات الطفولة وآمال المستقبل، ثم يأخذك لترى مصر بعينيه، لا يفرض عليك رأيًا، لكنه ينقل لك جانبًا لا بد وأنك تحبه مثله، على الرغم من كل الكبوات التي تواجهها في بلدك، ولا يختلف معك في الجانب المظلم، أو يوهمك بأن الحياة «بمبي». يروي لك قصصًا من التاريخ كما في «من علم عبد الناصر شرب السجائر» ولا تشعر بثُقل المعلومة، ينقلها لك بمنتهى الخفة واللذاذة، إن جاز الوصف.

حتى في حديثه عن السيرة النبوية، فعلها بطريقته الفريدة في «أثر النبي» وهو بالمناسبة الكتاب الأقرب لقلبي. كتاب «أثر النبي» هو تاريخ أول لقاء لي مع عمر طاهر، وأول صورة التقطتها معه بعد حفل التوقيع، والكتاب الوحيد الذي اشتريته له ويحمل توقيعه لي بشكل خاص. الجملة الأخيرة أكذوبة بالطبع، لقد وقع عمر للجميع يومها، لكن هكذا أنا، أتعامل دائمًا أننا صديقان و«عشرة عمر»، وأنني من أهم قرائه، وأعتز بأنني هاتفته في مرة وطلبت منه أن أجري معه حوارًا صحافيًا ووافق، لم يوافق فحسب، بل إنه أثنى على الأسئلة التي عرضتها عليه، لكن لم يتم المشروع.

وهنا بالطبع أعتز أنني لديّ رقم محموله، وأفخر بنجاح كل محاولاتي للسيطرة على نفسي، فلم أرسل له رسالة واحدة على «واتساب»، كي لا أزعجه. لكن أرسلت له عشرات الرسائل على «ماسنجر»، ولم يرها إلا بعد خمسة أعوام تقريبًا، وكان رده رقيقًا مؤدبًا كلاسيكيًا: «مش عارف أشكرك إزاي، يسعد نهارك».

وفي الحديث عن السينما المصرية، أُحب أن أقرأ عن الفيلم من خلال كتاب مثل «ابن عبد الحميد الترزي»، لعمر تعليقه الخاص ومنظوره المميز في عرض كل فيلم وما ارتبط به من أحداث وقضايا. أما عن كتاباته للسينما، فأحب أن أشاهد فيلمًا كـ«طير إنت»، ولا أمل أبدًا من تكراره، وأرى فيه فلسفة عميقة قدمها لنا في شطيرة كوميدية لذيذة وشهية. وهذا الفيلم على وجه الخصوص يعكس صورة عن عمر. الشخصية الرئيسة في الفيلم مع «بهيج وليلى» هو «العفريت مارد»، ولأن عمر يعشق تراث السينما المصرية ويشير إلى أن شخصية العفريت لها بريقها وخصوصيتها في سيناريوهات أفلام «الزمن الجميل»؛ فكان طبيعيًا أن يكون العفريت جزءًا من مشوار عمر السينمائي.

أجده يكتب الفيلم ويترك فيه من روحه وشخصيته، تراه بين الممثلين وفي الكادرات. ويظهر ذلك واضحًا أيضًا في فيلم «كابتن مصر»، وإن كنت لا تعرف انتماء عمر الكروي؛ فأنت لا تعرف عمر بعد وعليك الرجوع إلى كتاب «زملكاوي». أحب طريقته في الحديث عن الزواج في فيلم «يوم مالوش لزمة»، والذي تتقبله زوجته عالية كشكل من أشكال تنفيث الغضب المسموح به من آنٍ لآخر، وجلسات التأمل في الحياة والأقدار. ويقول عمر عن الزواج: «مشكلة الزواج ليست في العثور على الشخص المناسب، لكن في أن تكون الشخص المناسب». تأمل الجملة مرة أخرى. هل تأملتها؟ حسنًا تأملها مرة أخيرة.

أحب تجربته كمذيع، لا سيما في برنامجه «وصفوا لي الصبر.. عن الكتابة وأهلها». كانت تجربة ثرية ومهمة ومختلفة كعادته، أرشح للمهتمين بالكتابة مشاهدتها. وعاد حاليًا ببرنامج «سر الكينج»، والذي يقدم لنا صورة متفردة لـ«الكينج» محمد منير، لأول مرة في تاريخه، فطريقة عمر في إدارة الحوار لا تشعرك أنك مجرد مشاهد، لكنه وبطريقة ما يشركك في الحوار ويجعلك جزءًا منه. في اعتقادي أن عمر في جميع الحوارات التي أداراها، لم يكن عمر الكاتب، كان عمر الصديق. لا يدير الحوار بشكل تقليدي أو مبالغ في الرسمية، لكنه يديره بمرجع «واحد صاحبي».

وبذكر «واحد صاحبي»، أظن أن عمر يعلم أنه صديق قرائه، ويحب أن يكون كذلك. ولأنه من المهم أن يكون الكاتب صاحب، لذلك كان برنامجه على الراديو باسم «واحد صاحبي»، كانت ساعة مفضلة في منتصف الأسبوع تأخذني من ضغوط الدراسة – حينها – ولا أخرج للدنيا إلا بعد انتهاء الساعة بالتمام والكمال وأنا على اقتناع تام أنني كنت مع «واحد صاحبي» فعلًا.

أما المزيكا، فبالرغم من أنه مُقل في كتابة الأغاني، لكن كل عمل كان له حضور خاص، وعلى وجه الخصوص: «حبيبي الأولاني، جد الحسن، أجمل ما عندي».

وكان لعمر تجربة متميزة في فن الترجمة، وهذا عامل مشترك آخر يجمعني به، ليس فقط في صنعة الترجمة، لكن في اختياره عندما قرر أن يترجم رواية «على نهر بيدرا هناك جلست وبكيت» للروائي البرازيلي باولو كويلو. وأنا لست من محبي باولو كويلو فحسب، لكنني أعشق البرازيل شعبًا وثقافةً ولغةً.

يقولون: لا تقابل أبطال أحلامك أبدًا؛ ستخذلك صورتهم الحقيقية. لكن ما حدث، أنني التقيت به وجمعتنا مواقف عمرها قصير، لكن تأثيرها بالغ.

عمر حكاء محترف، وضيف خفيف، وصديق ودود وفيّ، وكاتب لم يخذلني أبدًا.

على وعدٍ بحوار قريب يجمعنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد