مرَّ حضرة أمير المؤمنين عُمر بن الخطاب – فاروق الأمة – ليلًا على جُنده مُتفقدًا لهم بعد الغزو والجهاد، وقد كانت كُل الخيام مُضاءة وقد أسرجت قناديلها، وعكف أهلها على القيام وقراءة القرآن، عدا خيمة واحدة قد غاب عنها النور، ونام الجُند الذين يقيمون بها، وما كان نومهم إلا عن سُنّة القيام بعد تعب أداء فريضة الغزو والجهاد، إلا أن الفاروق أشار عليها بيده وقال: مِن هُنا تأتي الهزيمة!

أستسمحك عذرًا حضرة أمير المؤمنين، ويا فاروق أمتنا المجيدة، فالهزيمة والذل والهوان قد أحاطت بنا من كل جانب، وأضحى دم الإنسان المسلم أرخص ما يكون، يراق في كل الأنحاء، فلا عقيدة تحكمنا، ولا جيشًا مُسلمًا يحمينا ويدافع عنا، وأما شباب الإسلام فهم لم يناموا عن القيام بعد الجهاد، بل باتوا بعيدين كل البعد عن فرائض الإسلام وأركانه.

حضرة أمير المؤمنين عذرًا، تأتي الهزيمة من مساجد أضحت خالية من المصلين في صلاة الفجر، فترى الشباب يهيمون من كل واد على مشاهدة مباريات كرة القدم التي لا تسمن ولا تغني من جوع حتى منتصف الليل، ثم ينامون عن صلاة الفجر المفروضة عليهم فرضًا من فوق سبع سماوات، وجهلوا حديث الرسول الأعظم فيما معناه: «لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا» –والمقصود صلاتي الفجر والعشاء-.

حضرة أمير المؤمنين عذرًا، تأتي الهزيمة من شباب عمروا الإنترنت وهجروا القرآن، فهم لم يبتعدوا عنه فقط بل الصدمة أن تجد الكثير منهم لا يحفظ حتى قصار السور، ثم تراهم وقد ألمَّ بهم الغم والكدر والضيق والحزن ويتساءلون: لماذا أعاني في حياتي؟!، «ومن أعرض عن ذكري فإنَّ له معيشةً ضنكًا».

حضرة أمير المؤمنين عذرًا، تأتي الهزيمة من شبابٍ خُدرت عقولهم فوهموا أن الثقافة والعلم والتحضر تعني الابتعاد عن الالتزام بالدين، وأن المُلتزم يعني ذلك الإنسان المتطرف المتشدد، وأن الشخص المتنور هو الشخص الذي يتميز بمخالفته للمعلوم من الدين، وما علموا أنهم مجرد عبيد لله خلقوا للعبادة وفق ما أمر.

حضرة أمير المؤمنين عذرًا، تأتي الهزيمة من شباب برعوا في التمتع بملذات الدنيا الفانية، وفشلوا في العمل من أجل الله والآخرة، فتراهم مقبلين على الأفكار والثقافة والحضارة والموضة الغربية، وهوس كرة القدم والأفلام والأغاني الماجنة، وفي المقابل تراهم مبتعدين عن القرآن والسنة والعلم وما ينفع أرواحهم وعقولهم.

حضرة أمير المؤمنين عُمر، والله لو كان حال أمتنا اليوم كحال تلك الخيمة التي نامت بعد تعبٍ وجهادٍ وغزو، لكان حالنا أفضل، ولكنا رجال الهمم وسادة الأمم، لكننا اليوم تركنا كل ما يقربنا نحو العزة والكرامة، فغاب العدل وانتشر الظلم والفساد، فلم يعد لدينا حكامًا كحضرتك وحضرة الخلفاء المهديين، ولم تعد الرعية كرعيتكم التي فيها أسامة بن زيد وأبي عبيدة وأبي موسى.

سيدي عُمر الفاروق، لقد تاه معظم شباب أمتنا، وتحكم بنا أراذل القوم، وضاعت فتوحاتكم وإنجازاتكم، وتسلطت علينا سيوف الكافرين، وأحنت أمتنا الرقاب، لقد فرطنا بميراثكم العظيم الذي تركتموه لنا بعد أن أخضعتم ممالك الروم وفارس!

لكن! رغم هذا الألم، رغم هذه الشدة، رغم هذا الهوان، فلتعلم أن ثلة وقلة من الشباب المؤمن لا زالت على عهدك ونهجك، لا زالت ثلة من الشباب المؤمن تحتمل وتصبر وتضحي وتجاهد، وحسبنا أن الله سيهيئهم لانبعاث هذه الأمة من جديد.

لا تزال ثلة من شباب هذه الأمة في غزة تحفظ كتاب الله في قلبها، وأيديهم على زناد سلاحهم ينتظرون إشارةً واحدة لاسترداد القدس من أيدي الغاصبين، ولا زالت ثلة من شباب مصر يحتملون عذاب سجون الظلم من أجل إعلاء كلمة الله في الأرض، وشعارهم الأبدي الخالد: الإسلام هو الحل، وفي كل بقعة توجد تلك الثلة القليلة، فالخير لا يُعدم من أمتنا.

وختامًا، أمتنا بحاجة إلى قيامة جديدة، ونهضة قوية، تنفض غبار الذل والهوان عنها، وتتكاتف جهودنا في كل الميادين من أجل نهضة الأمة، ورغم كل الألم والأسى والضعف إلا أني أرى ذلك قريبًا، وحوادث التاريخ تؤكد كلامي، فبعد كل تشتت وضياع كان ينهض قائد جديد يحمل الراية ويتقدم في الأمصار فاتحًا بسيف الحق والعدل، فقم أنت يا مَن تقرأ وكن في ميدانك القائد الذي تنتظره الأمة، هيا قُم.

تنويه: القصة المذكورة في مقدمة المقال، وردت في التاريخ الإسلامي على عدة روايات؛ وهي أنها في حدثت في عهد الفاروق عمر، وأخرى أنها حدثت مع الصحابي سعد يوم القادسية، ورواية ثالثة أنها حدثت في زمن صلاح الدين الأيوبي، وما يهمنا هنا هو «الفكرة» وليس الشخص، لذا اقتضى التنويه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد