إن (ساجدة) لهي دليل صارخ على ظلم وطاغوتية هذا النظام العالمي القائم، وإن قصتها لتصرخ فاضحة لإنسانيته الجوفاء، وعدالته العمياء الكسحاء.
إن (ساجدة) هي سيدة عراقية مزقوا بلادها ودمروها بكل أنواع الأسلحة تحت دعوى تواجد وهمي لأسلحة دمار شامل، واحتلوا موطنها وفعلوا الأفاعيل بأهله مدعين أنهم ينقذونه من التجبر والشمولية والدكتاتورية.

 

(ساجدة) قتل أخوها – وهو ضابط الجيش العراقي قبل حله – في معركة الفلوجة الثانية شاهدًا على إنسانية ذلك النظام العالمي المتمثلة في دك المدينة بالقنابل العنقودية والقذائف الكيماوية والفسفور الأبيض، وشاهدا على حفاوته بحقوق الإنسان التي لم تدفعه لقصر حربه على المقاتلين، بل قصف المدنيين في منازلهم وأحرق الأخضر واليابس، وخرجت المدينة من تحت يديه أطلالًا لا تأوي إليها حتى الأشباح.

 

وقتل أخوا (ساجدة) الآخران في مدينة الرمادي الصابرة المجاهدة.

أما أبوها فقد مات في 2006 معتقلا في سجون الاحتلال وأذنابه والتي ظلت تصرخ جدرانها بإنسانيتهم وديمقراطيتهم واحترامهم لمبادئ حقوق الإنسان على مدى سنوات طويلة، ولعل سجن أبو غريب وما حدث فيه هو خير شاهد على ذلك.

وعندما ذهبت (ساجدة) وزوجها لتنفيذ عملية تفجيرية في الأردن في عام 2005، ذهبت الإرهابية المتطرفة – مع آخرين- لاستهداف فنادق في مدينة عمان قيل عنها أنها كانت مقرًا ومأوى لأجهزة المخابرات الأمريكية وغيرها من أجهزة المخابرات التي تدير تجبر المحتل في العراق وفي غيره. ذهبت الإرهابية المتطرفة لفعل ذلك بغير سبب واضح، فعقيدتها لم تنتهك، وبلادها لم تستبح، وإخوتها وبنو عشيرتها لم يقتلوا بكل أنواع الأسلحة المحرمة دوليا.

 

ووقعت التفجيرات، ولكن ساجدة لم تقض فيها لعطل – حسبما قيل – أصاب حزامها الناسف، ليتم القبض عليها بعد التفجيرات بأيام، ثم يتم تقديمها على الشاشات على اعتبار أنها المجرمة التي كانت تنوي تفجير نفسها مع من فجروا أنفسهم لقتل المدنيين العزل، ولكنهم طبعا لم يتحدثوا – سهوًا منهم لا أكثر – عن استهداف المدنيين العزل في العراق والذي كان أحد دوافعها للسعي للثأر.

قدموها على اعتبار أنها الإرهابية التي كانت تسعى لنسف الفنادق في قلب المدينة الآمنة، ولكنهم نسوا أن يحدثونا عن نسفهم لمدن كاملة كانت آمنة، ودفنوا أهلها تحت الأنقاض.

 

قدموها على اعتبارها المتطرفة التي تستهين بحرمة الدماء، ونسوا – سهوًا أيضا – أن يحدثونا عن احترامهم لحرمة الدماء والتي جعلت أعداد المدنيين المقتولين في العراق وحدها – حسب الوثائق الأمريكية المسربة لويكليكس – منذ بداية الاحتلال عام 2004 وحتى عام 2005 ، والذي حاولت فيه ساجدة القيام بالتفجير؛ نحو 104 ألف قتيل مدني، بمعدل 120 قتيلًا مدنيًا يوميًا!

 

هذا طبعًا غير المصابين والجرحى الذين لا يوجد إحصاء لحالاتهم. وإنه لمن أسباب استشعار عدالتهم الجافة أن نعرف أن أولئك الذين يقتلون 120 إنسانًا بين شروق كل شمس وغروبها يلقون بتهم التطرف والإرهاب على من قتلوا ذات صباح 57 إنسانًا في خطأ كانوا يحاولون خلاله إدراك ثأرهم.

ولأن عدالتهم ناجزة، ولأن (ساجدة) لا تمتلك أي حجج أو دوافع يمكن أن تدافع بها أمام المحكمة عن فعلتها، فإنهم أبوا إلا الحكم عليها بالإعدام شنقًا بعد محاكمة لم تدم أكثر من نصف ساعة. لتبقى ساجدة أسيرة سجونهم منذ 2005 وحتى 2015، والله وحده أعلم بما لاقته داخل هذه السجون، وهل كانت سجونًا إنسانية تحتفي بحقوق الإنسان كسجن أبي غريب أم لا.

ورغم دعواهم أنهم إنما أبقوا عليها ولم ينفذوا فيها حكم الإعدام إنسانية منهم، وتقديرًا لكونها أمًا لثلاثة أطفال، إلا أن إنسانيتهم تلك لم تقف حائلا دون تنفيذ الحكم ردًا على إعدام طيار تابع للتحالف الدولي أسقطوا طائرته وهو يحلق فوق ربوع بلاد المسلمين لحمايتهم ونجدتهم وتوزيع المعونات عليهم لا أكثر، فهو لم ينسف أي مبانٍ كما حاولت ساجدة، ولم يزهق أرواحًا آمنة كما حاولت ساجدة، ولم يكن متهما بالعمالة والتطرف والإرهاب كما كانت ساجدة، ولم يرمه أحدٌ بكونه من الخوارج كما فعلوا مع ساجدة.

 

إنهم يقولون لنا أننا أمة (ساجدة)، إما أن نرضى بالعيش كما يريدون، تحت ما يرتضونه لنا من عدالة وإنسانية وديمقراطية – والعراق مثال – وإلا فسنفعل مجبرين في السجون والمعتقلات، حتى نقضي نحبنا وقتما يريدون وكيفما يريدون وثمنًا لما يريدون، ثم تلاحقنا اللعنات من بني جلدتنا قبل أعدائنا، قبل الممات وبعد الممات.

فترى كيف يكون جوابنا، أنرضى بما أرادوا؟

أم ترانا نصرخ في وجوههم بأننا أمة (ساجدة) المقاومة الصابرة وأن (الله غالب على أمره)؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد