كنت مرهقًا كادت روحي تُزهق من شدة حرارة الصيف، جالسًا أترنم تحت لواءِ شجرةٍ باردة، أرخت ظلالها على جسدي. وجدتُ نفسي أضيع وقتًا في اللاشيء، فأخرجت هاتفي وتصادفت مباشرة مع رواية تبدو غريبة انطلاقًا من عنوانها الذي لا يُفهم منذ الوهلة الأولى.

بدأت أتفحص سطورها، حتى وجدتُ نفسي أقرأ في آخر صفحةٍ فيها. رواية باسم المورفين للكاتب المصري الشاب زكريا حجاج، هو عملٌ روائيٌّ صغير، لكنه بديع وجميل. العملُ يتطرَّق بالأساس لمشاكل واضطربات نفسية واجتماعية خطيرة. مراهق في عمر الزهور يعاني من مشكل نفسي عقيم سيحوِّل حياتهُ إلى كابوس، فوالدته التي ستعتني به ماتت وتركته وأظافره ناعمة، لم تنمو بعد، ووالده مات بعدما أخذ جرعةً زائدة من مخدِّر المورفين.

الشخصية الرئيسية تُدعى عاصم صار خاضعًا، عَبْدًا للمورفين – مخدِّر خطير  لا يرحم من يتناوله – ظهر هذا المخدِّر بصورة كبيرة خلال الحرب العالمية الثانية، وقد تحدث عنه ليو تولستوي في إحدى رواياتهِ.

هذه الرواية رغم أنَّ صاحبها مصري، فهو لم يدخل اللُّغة العامية فيها بتاتًا، وهذا أمرٌ يستحقُّ الإشادة والتنويه. فالكتاب المصريون يدخلون اللغة العامية، خصوصًا في الحوار من أجل توضيح المعنى.

أدخل زكرياء حجاج إشكالية الإلحاد  فطرح براهين ودلائل عقلية على وجود الله، ونجح كذلك في الحديث عن مشهد مخلٍّ بالحياء دون خدش، وصفهُ بأسلوبٍ بديع.

المستشفى الذي يعالجُ فيه المرضى المدمنين على المخدرات بشتى أنواعها يحتوي على مواد مخدرة يتناولها المرضى، وحتى الطبيبة الشمطاء التي تدعى آية، التي تقفُ على قدمٍ وساق من أجل معالجة المرضى صارت تتناوله، أحداث الرواية متشابكة، استحوذ فيها الإدمان والإلحاد على جزءٍ كبير منها، عاصم البطل الذي كان ملحدًا سيصيرُ في الأخير مؤمنًا بوجود الله.

وجدتُ نفسي في الأخير أمام عملٍ علمي خالص، وليس أدبيًا، ناقش فيه الكاتب معضلة استهوت المراهقين الذين جرفتهم الظروف القاهِرة إلى اتباع طريق الإدمان. يبدو لي أن الكاتب زكرياء حجاج قد تأثر كثيرًا بالأفلام العالمية التي تطرقت لهذه الظواهر، ومنها استوحى بعض الأفكار لكتابة روايته. عاصم هو نموذج لمجموعة من المراهقين أخذتهم الأقدار إلى سلك هذه الطريق الوعرة المؤدية إلى الموت، ربما سيسلك طريق أبيه. عاصم قبل وفاته في آخر الرواية سيضع حدا لهذه المهزلة، سيؤمن بربه، وسيقطع الصلة مع المورفين القاتل.

أُدعى عاصم.. لا أهتم أن أعلم كم عمري؛ لأنها ليست مجرّد مسألة رقميّة لا أهميَّة لها. بدأ ولعي بالمخدرات، ليس كمدمِن لها منذ أن أتممتُ ثمانية أعوام، كانت بسبب ما يُدعى بوالدي. باسم المُورفين، ص17، دار الكنزي للنَّشر والتوزيع.

هذا الموضوع الذي تتناولهُ الرواية – رغم قصرها – هو موضوع جد حسَّاس، وقد يجدُ كل مراهق نفسه في أغوار هذه الرواية؛ لأنَّ المُراهق عندما يعيشُ مشاكل أسرية، تصبحُ نفسيته مهترئة، وبالتالي يذهب في طريقٍ محفوفة بالمخاطر، وسيجدُ ضالته في المورفين.

نقدي لهذا العمل يتجلى في تلك الخاطرة الشعرية التي ختم بها الكاتب روايته، مع العلم أنَّها لا تتضمن وزنًا ولا قافيةً. وكيف تحولت تلك الجلسة النفسية إلى مناظرة حول الإلحاد؟

أنا أثق كثيرًا في زكرياء حجاج كروائي يشق طريقه نحو الإبداع، بدأ التأليف برواية ناضجة وجيدة، لا تدخل إلى عوالم باسم المورفين، وإلا أنت متناول لمخدر معين، لكي تفهم إيحاءات هذا المخدر، الذي سيحملك إلى عوالم لم تره عين، ولم تطأها قدم. المورفين هو عالم أحادي، له سمات مخالفة لوجودنا. دمر حياة البطل، جعله يعيش في دوامة تحت هيمنته وسيطرته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, ثقافة, روايات
عرض التعليقات
تحميل المزيد