في مرحلة البحث عن وصفة للاندماج

في الوقت الذي كانت فيه النيوليبرالية الأمريكية تغزو فكريًا الأحزاب الاشتراكية الأوروبية، كان الحزب الشيوعي الصيني في خضم البحث عن وصفة تتيح للصين الانخراط في الاقتصاد العالمي والمحافظة على دوره ودورالدولة في آن معًا. في سنوات الثمانينات من القرن الماضي حصل ما سمي من قبل بعض علماء الاجتماع الأمريكيين بـ«أمركة» اليسار الأوربي. تراجعت الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية الاجتماعية الأوروبية تدريجيًا عن مبدأ تحكم الدولة بالاقتصاد لصالح منطق السوق التنافسية، وعمدت الأحزاب الكبيرة وبدرجات متفاوتة لحذف ما يتعلق بالعناصر الدولاتية من برامجها وتبنت ما عرف بـ«الطريق الثالث». في حين أنه في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية انحاز اليمين نحو اليسار بقبوله إصلاحات دولة الرعاية والإجراءات الضريبية الكِنزية وبعض الخطط الاقتصادية المحددة، لكن حصل العكس فيما بعد عندما انخرط اليسار في سياسات نيوليبرالية كإحداث اقتطاعات في الخدمات العامة وتراجع دور الدولة الاستثماري وتخفيض الضريبة على الدخل وتخفيض الرواتب والحماية الاجتماعية باستثناء النرويج وفرنسا فيما يتعلق بالنقطتين الأخيرتين.

مرت عقود على حلم الاشتراكيين العلميين الأوائل بأن تصبح أميركا بلدًا اشتراكيًا بعد أن اعتقدوا أنها ستكون أرض الاشتراكية الموعودة. لكنها كانت البلد الصناعي الوحيد الذي لم يعرف حزبًا للعمال، ولم تستجب لقانون المادية التاريخية لماركس. النتيجة أن الاستثنائية الأمريكية المؤمنة بالفردية، والحرية، والكارهة لحكومة مركزية قوية أصابتهم بخيبة أمل لا مثيل لها. بدلًا عن ذلك، كانت الوصفة الأمريكية هي الأكثر انتشارًا عالميًا وتتوجت بعد الحرب الباردة بالعولمة. أصبح الاندماج الاقتصادي الصيني في الاقتصاد الرأسمالي العالمي في هذه الفترة تحديدًا من ضرورات التطور السلمي للعلاقات مع الولايات المتحدة.

ـ الصعود والتحديث

بعد فترة انكفاء طويلة مردها للضغوط الكولونيالية الخارجية في القرن التاسع عشر (يابانية وأوربية) وتفكك داخلي نتيجة مجاعات وكوارث طبيعية وثورات تلتها فترة انغلاق في عهد ماوتسي تونغ (1949 – 1976)، تحتل الصين مكانة مركزية في الاقتصاد العالمي اليوم. لكن كيف؟ طرحت العولمة سؤال استقلالية الدولة أي حرمانها من سيادتها ومن قدرتها على التدخل. فيما اعتبر الليبراليون أن العولمة فرضت الانتقال من الدولة القومية الحديثة ومن النظام القائم على التفاعل بين الدول منذ معاهدة وستفاليا (1648) إلى فاعلين خاصين ومؤسسات الحكم العالمي، اعتبر الماركسيون الجدد أن إعادة بناء فضاء جديد لتراكم رأسمالي عالمي بعد العام 1991 أخضع الدولة جزئيًا أو كليًا (كل حسب قراءته) لمنطق رأس المال المستقل المتجسد بفاعلين مافوق وطنيين. شكّل هؤلاء طبقة قائدة عابرة للقوميات لها مصالح مشتركة وتتقاسم رؤى متقاربة للعالم. النتيجة بروز شكل جديد للدولة بحيث إنها تحولت إلى مجرد عميل مسؤوليته إدارة تدويل رأس المال أو بناء بنى جديدة للتبعية عطلت استقلالها.

ساهم تدويل رأس المال في تدعيم استقلالية بعض الدول على الصعيد العالمي وفي زيادة قوة ما سمي الدول المُطوِّرة أو Developmental State، والتي تمكنت من توجيه التدفقات لغايات تنموية ذاتية كما اليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان، وسنغافورة، وبدرجة أقل ماليزيا. أما الصين فهي مثال جيد لهذه الحالة أيضًا، فعلى العكس من الحزب الشيوعي السوفيتي الذي حاول تطوير المجتمع والاقتصاد في الوقت الضائع، عرف الحزب الشيوعي الصيني كيفية تجنب انهيار الاقتصاد والدولة من خلال إدارة فعالة جدًا لعملية الانتقال من الاقتصاد المغلق إلى اقتصاد السوق المخطط الذي اندمج في الأسواق الإقليمية، ثم الدولية.

أراد الصينيون تحديث بلدهم بعد ماو من الأعلى بهدف احتواء الامبريالية الأجنبية، كما فعل اليابانيون في الفترة ما بين (1868 ـ 1912) والتي عرفت بسنوات التحديث (الانتقال من النظام الإقطاعي إلى النظام الصناعي على الطريقة الغربية). استدارت الصين نحو الشرق خلال بحثها عن طريق ثالث بين الرأسمالية الغربية ونظام الاقتصاد المخطط. أي نحو أنماط وأنظمة قيادية قادرة على إنتاج ديناميات للنمو والخروج من الاقتصاد المركزي والمحافظة على سلطة الدولة والحزب معًا. تأثر الانتقال نحو الرأسمالية الموجهة بتجربة الدول المطوِّرة المجاورة والتي ازدهرت خلال الحرب الباردة كاليابان. كانت الغاية الاستفادة من نموذج الدولة المذكورة و النموذج الآسيوي عمومًا، وهو النموذج القائم على التخطيط العقلاني حيث تأثير اليد المرئية هنا لا يمحي الأسواق، بل يعمل على خلق وتشجيع القطاعات الإستراتيجية كما الأطر المؤسساتية وأدوات تدخل متكيفة مع جميع مراحل التصنيع. أدت الاستثمارات اليابانية إلى دمج الصين في الاقتصاد الإقليمي، حيث ارتفعت من4.5% عام 1985 إلى 44.5% عام 1995.

كان من دوافع الانفتاح الاقتصادي أيضًا بعد الحرب الباردة اكتساب التكنولوجيا الجديدة. تم فتح السوق الصينية للاستثمارات الأجنبية التي زادت من 2.2 مليار دولار سنويًا في الفترة ما بين 1992 و2000 إلى 170 مليار دولار سنويًا في الفترة ما بين 2000 و2013. لكن بقيت الأرباح النوعية الصينية ضعيفة نتيجةً لحصول الشركات الأجنبية المالكة للحقوق الفكرية على الجزء الأكبر من القيمة الناتجة عن تجزئة عملية الإنتاج. وعندها تعالت الأصوات القائلة بفشل البرنامج التحديثي الذي وضعته الدولة. مما طرح تحدي التقدم التكنولوجي من جديد؛ على الرغم من أن التفاعل بين «اشتراكية» السوق الصينية والرأسمالية العالمية قد أدى إلى تقوية ذاتية للصين، إلا أنه فرض عليها تنمية صناعية من غير تقدم تكنولوجي. الأمر الذي دفع الحكومة الصينية إلى وضع سياسة صناعية وطنية طموحة؛ تم إنشاء شبكة ضخمة من مؤسسات البحث والتطوير فقفزت نسبة الإنفاق على البحث والتطوير من 0.5% عام 1995 إلى 1.98% في العام 2012 وهو المتوسط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وتأتي الصين في المرتبة الرابعة بعد الولايات المتحدة، واليابان، والاتحاد الأوربي من حيث براءات الاختراع المسجلة.

على العكس من الحكومات التي لجأت إلى برامج إعادة هيكلة اقتصادية فقط لما تفرضه متطلبات الاقتصاد العالمي ومنظماته الاقتصادية، نجحت الدولة الصينية وبتكاليف متوسطة اجتماعيًا وعالية بيئيًا في الاندماج في الاقتصاد العالمي.

ـ العولمة على مفترق طرق

أثبت غياب التعاون الدولي ولجوء الشعوب لحكوماتها من أجل التخلص من وباء كورونا أن الدولة عائدة بقوة وبأنها فاعل أساسي لا يمكن الاستغناء عنه لصالح تكتلات إقليمية أو دولية. من هنا يمكننا الحديث عن احتمالية انكفاء الدول والشعوب إلى داخل حدودها الوطنية وعودة السياسات الحمائية، بمعنى آخر نهاية العولمة بشكلها الحالي.

الاحتمالية الثانية أشارت لها بعض الكتابات الغربية وهي انتقال العولمة من النموذج الأمريكي إلى النموذج الصيني. فالولايات المتحدة التي اعتادت على لعب دور القائد العالمي في الأزمات كانت غائبة تمامًا، وشكل غيابها استمرارًا لانعزالية إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. الأمر الذي ترك المجال للصين لتمارس دبلوماسيتها «الناعمة»، حيث ذهبت طائراتها في كل الاتجاهات حاملة المساعدات إلى الدول المنكوبة بكورونا. من المهم الإشارة إلى أن الأزمة كشفت للحكومات الأوروبية تبعية بلدانها في ميدان بعض الصناعات الإستراتيجية كالمواد الطبية، وهي مدعوة لاستخلاص العبر من الوضع الحالي، بمعنى العمل على إعادة توطين صناعاتها، وهذا الأمر سيكون غاية في الصعوبة.

بدأت عجلة الاقتصاد الصيني بالدوران بعد تعافي البلد شبه التام (كما يقول الصينيون)، بينما على الولايات المتحدة (وإدارة الرئيس الجديد بايدن) التعامل مع تركة الرئيس السابق ومنها سوء إدارته لأزمة الكوفيد. بعبارة أكثر شمولًا، على الولايات المتحدة إعادة النظام إلى بيتها قبل أن تكون قادرة على مواجهة التحديات على الصعيد العالمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد