«ع المشاريب» عبارة دارجة لا يغيب معناها ومضمونها من حيث تأصيل الأصل عن الكبير والصغير، أصبحت ترميز تلقائي يُداهم محاورتنا كعبارة بسيطة، ذات مدلول واسع في كل محنة و كل آن، يعبر بها البعض عن مأساة حياته، وكيف الحياة تأتي له بما لا تشتهي السفن، ولا ذنب له، وفجأة يدفع ضرائب الألم والأوجاع معبرًا عن هذا «انا بحاسب في الآخر ع المشاريب»، أما أصل الكلمة فقد ألّتصقت بجلسات المقاهي ولعب الدومينو والنرد (الطاولة بالعامية المصرية).

يلتف حولها رفقاء المقهى وليالي السهر اليومية للعب، وعادةً تتكون هذه الجلسات من أفراد من فئات عديدة ومتنوعة؛ مثل الموظف، وسائق التاكسي، وصاحب حرفة، وأحد الضيوف، ويتناوبون اللعب واحدًا تلو الآخر، ويلتف حولهم أحد أولئك المتنطعين، فلن يدفع شيئًا؛ فالخاسر في النهاية يدفع المشاريب، الحوار بينهم له حساب آخر.

الحوار هنا تجده على درجة عالية من التنوع، وتبادل الخبرات العظيمة في شتى مجالات الحياة، منها السياسية والاقتصادية، وبالطبع الكل له وجهة نظر، وفي الدين كلٌ لديه شيخه الذي يسأله، والذي تُعد أقواله مما هو معلوم بالدين بالضرورة، بالنسبة لكل منهم هو الصحيح، فشيخه ذات اللحية الكـثّة ولا يرى منه إلا كل خير، الغريب أن الكل يتفق على عبارة واحدة «أنا سألت شيخ وقالي» من هو الشيخ لاتعلم.

وتنتقل بين الموضوعات الخارجية وشؤون الدولة والعالم والدين، و في الأخيرة حديث يطول كثيرًا، هنا كاميرا المُسامرة تنتقل لداخل المنزل، يصبح فريق متحدث عن عنتريته المسائية كل ليلة دون أي مُنشطات، وآخر يسرد تفاصيل عن الأمر نفسه، وآخرون يتعلمون من عنتر زمانه، ويذهبون في حمـيّـة من أمرهم لتطبيق الدروس المستفادة، وإن فشل يذهب لصاحب الخبرات لمراجعة الدرس.

هناك فريق صامت تجده مُتربصًا بالسيدات المارة يعلمـهُنَّ بالاسم والمسكن، وربما يكون على علم بكل ملابسها ويقول :«بكرة هتلبس العباية الفلانية؟» فيأخذهم الحديث عن تفاصيل حياتهِنَّ، وربما خوض في أعراض البكارة منهنَّ والأرامل؛ أنهنَّ «وش فقر» والمطلقات أكيد «عندها عيب» وحتى إن كانوا لديهنَّ عيوب تُعدّ بشكل تفصيلي، وبمنتهى الدقة، الفراغ دومًا يملأ العقل بخواء، وإذا ما استيقظ ضمير أحدهم لوهلة يرفض الخوض في هذا، يأتي الآخر معاتبًا وناهرًا ومستنكرًا، ليقول:«إنها لو كانت محترمة لما ارتدت هكذا، ولو كانت محترمة؛ لمَ لمْ تتزوج بعد، وإن تزوجت لمَ طُلقت.. ويختتم بقول إيماني حاكَ في صدره، إن الله كرّم المرأة، وتكريمها الجلوس في البيت، الدين ده أكبر نعمة من ربنا»، فيتبع مقولته مُشيرًا إلى إحداهن «ماهو لو في راجل في البيت مكنتش نزلت كدة، ويُتبع مسترسلًا؛ سبحانه من خلق الغريزة بداخلنا ولولاها ما ماتزوجنا ولا أنجبنا، لنعمر الأرض بالبنات والبنين، آفة حارتنا التناقض!

وقتٌ طريح الخوض في الأعراض بأبشع صور الانحطاط، وهلك المال ثم يشكون الرزق ونقصانه، تأثير مباشر على بيته من ناحية، ومن ناحية أخرى في الاستماع للقيل والقال، ونصائح لأناس هاربون من مشكلات بيوتهم، ويعطون حكم ومواعظ، وكأنك جالس مع الجاحظ، فيطبقها على أهله دون تفكير هل تناسب حياته أم لا؟ كل هذه المصائب له وللمارين دون شعور، وبلا وعي؛ نتيجة حتمية الكل يدفع ثمن لا ناقة له فيها ولا جَمل، و«كله ع المشاريب»، وفي نهاية الجلسة يتعاركون من أجل التهرّب من دفعها، ويحملون الثأر في صدورهم، ويشغلون العقل، والترتيب لليوم التالي كيف سيأخذ الثأر خواء كامل التكوين، كل ليلة يتكرر حديث الصباح والمساء، و«كله عالمشاريب».

والله المستعان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد