كنت أتخيل في هذا اليوم أن أفترش حدائق الياسمين، مع أميرتي الجميلة، كتكوتتي الصغيرة، ونتجاذب أطراف الحديث، على أنغامstrangers in the night ، ثُم نتبادل شرائح الخُبز المغطى بشكولاته البندق، مع بعض عصير البُرتقال المُنعش، وبعدها أجتذب يدها الرقيقة؛ لأطبع عليها ـ بهدوء ـ قُبلة تحمل ما في القلب من فضل، ويكون النسيم مُداعبنا أثناء تلك اللحظة القصيرة الطويلة!

ولكن انهار كل شيء؛ فالمجتمع شوه، و سَطَّح كُلْ شيء. اليوم ـ شم النسيم ـ نزلت إلى أطراف قريتنا؛ باحثًا في وجوه الناس، وليس طالبًا لترفيه، حيث اللا ترفيه، واللا مُتعة. انتابني إحساس أن كل تلكَ الجموع تتظاهر بالسعادة، فغطوا على عميق أساهم بموسيقى المساطيل الصاخبة، التي أرفقوها بكل شيء: من الدراجة النارية إلى عربة الحمار .

شعرت أنهُ من فضل الله أنَّ تلكّ الجموع لا تتطلع إلى عيشة وخدمات أفضل، وإلا تَحول الأمر إلى عبث و فوضى! هم راضون، أو هم تحت تأثير الحشيش، أيًا كان؛ فالمهم أنَّ هذا الطفل سعيد، وهو يقفز بالترعة ليستمتع بيومه، وذلك أخذ جرعته من مخدرات الفن، وامتطى دراجته النارية؛ يلمس مؤخرات بنات الناس! ثم ينطلق سريعًا، وإحداهن سعيدة؛ لأنها تتمايل شابكةً يدها بيد خطيبها.

ولكن فحوى تلك الظواهر خطيرة، مخالفة لرضاء أنفسهم عنها؛ فالطفل سيصاب بالأمراض، وقد يكون هو هبة الترعة لهذا العام! ولا يدرك ذاك أثره السلبي بتلويثه للذوق العام، وتحطيمه لنفسية الفتاة التي لمسها، والتي قد تكون سعيدة بذلك الفعل، فلا مشكلة، مجموعة من المساطيل يتعايشون مع بعضهم في مودة قذرة، ومحبة متعفنة. و لا تدرك الأخت التي تتمايل أنَّها هي وخطيبها خطر على البشرية؛ لأنَّهم سيصدرون للبشرية أجيالًا من الأغبياء يزيدوا من بؤسنا في هذا البلد!

و لكن ثانيةً، فالحمد لله أن أنفسهم راضية؛ فبغير ذلك ستُلاحق نفوسهم الكآبة والإحباط، خاصةً في ظل ضعف الموارد والرزق. فلن يكف الطفل عن العويل؛ لأنه يريد حمام السباحة ببعض من الكلُّور لمُحاصرة التلوث، وسيتخلى الشاب نشوته بالدارجة النارية، ويحلم بالرولز رويس، وستتمرد الفتاة على خطيبها المُعدم وستنغص حياة أهلها، وقد تضر بشرفها؛ لأنها تريد الثراء.

قلت لنفسي: هم يستحقون ذلك، مَنْ رضي بالخازوق، فلا يشكو الالتهابات، وأحيانًا لا توجد الشكوى حتى، بل الاستمتاع!

أتذكر موقفًا، كُنت أقف مع أحدهم، وقد لمحت بنتًا مُهلهة الملابس، تظهر القذارة عليها، فقمت باستنكار الشكل بامتعاض، فلامني ذلك الشخص على ذلك؛ بحجة أنهم فقراء جدًا، فقلت: الفقر يمنعك أن تلبس قميصًا ماركة عالمية! و لكنه لا يمنعك أن تلبس قميصًا نظيفًا، حتى في أحلك الظروف، تستطيع أن تعمد إلى الترعة؛ لتستحم وتنظف ثيابك بها. وهناك خطر داهم أكثر من الفقر، هو: الجهل. أنْ يرتاح بالك أنَّ النظافة ليست من الإيمان، فلا نظافة ولا إيمان!

و قد قست ذلك على ما رأيته اليوم، سألت نفسي: لماذا رضى الناس بالانحطاط؟ فبقواعد إرشادية بسيطة من الأهل لن يعمد الطفل للترعة، وببعض الأخلاق يحفظ الشاب لسانه، ويديه عن بنات الناس، وببعض الوعي تدرك الفتاة ما هو الارتباط؟ وما هي الأسرة؟ فيكون اختيار عن دقة. و كل هذه الأمور لا تحتاج إلى خطة نهضة شمولية، بل أن تدرك فقط أنكَ الإنسان! وتقاوم نفسك، وتعلم أن البداية من عندك، وأنهُ ليس بشرط أن تعيش في لندن، لتكون مُحترمًا.

ولكن، أعيد كلامي، المجتمع شوه، و سَطَّح كُل شيء، حتى البساطة، التي يسعى إليها الكثيرون، شوهوها، حولوا شم «النسيم»، إلى «فسيخ». حولوا رقة وانسياب «النسيم» إلى «مهرجانات ». حتى طبيعية بلدنا الجميلة شوهوها بالمخلفات.

نستطيع أن نحيا ونستمتع، وبالقليل، ولكن الأمر كله يعتمد على ما يدور في رؤوسنا!

المهم : أنني ـ وبأية طريقة ـ لن أشرب الحشيش، وسأحقق ما تخيلته في البداية، وعندما أجالس أميرتي الجميلة، مُهَونة الحياة، سأنسى كل ذلك العفن، ولكن سأتبع القبلة، بقبلة أخرى؛ فالأولى لأنها جزء من جمال النسيم، والأخرى لأنها أنستني العفن، لا حرمني الله منها .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

شم النسيم
عرض التعليقات
تحميل المزيد