ميجيل دي أونومانو، الفيلسوف والروائي الأهم من بين الكتاب الإسبان في القرن العشرين، تنوع إنتاجه بين الفلسفة والفنون، كالمسرح والفكر، ألف مجموعة كتب، وكذا مقالات قصيرة، لكن يبقى كتابه «الشعور المأساوي بالحياة» أهم ما كتبه، والمؤلف الذي برزت فيه فلسفته أكثر، مضمونه أن من الأشياء الموجودة في هذا العالم، هو ما يسمى بالشعور المأساوي بالحياة، والذي يضم في ثناياه تصورات للحياة وفلسفات قائمة على الوعي، ومن هنا يبتدئ إشكال هذا الشعور، فالوعي هو ما يميز الإنسان ليقوده إلى طريق الألم، من هنا ستبرز إشكالية العقل والحياة، إذ إن الرؤية التي يقدمها قد تبدو لأول وهلة أن صاحبها قد يعاني مرضًا ما، أو لربما هذا راجع لتأثره بشبنهاور آنذاك، لكن أونامونو رأى أن المرض قد يكون شرطًا للتقدم، وقد يكون التقدم هو نفسه مرضًا.

حتى من يقول إن غاية الإنسان هي تحقيق المعرفة من أجل المعرفة، يعده كلامًا فيه كثير من السفسطة، كون العلم يكذب هذا الطرح، فضروريات الحياة ترغم العلم ليصبح في خدمة غريزة الحاجة للعيش، للحفاظ على البقاء، أما القول كذلك بالحقيقة من أجل الحقيقة ذاتها فهذا لا يعدو أن يكون تزييفًا لحقيقة البحث عن الحياة في الحقيقة، بل رأى أن المعرفة من أجل المعرفة أو الحقيقة من أجل الحقيقة، شيء غير إنساني، حتى الفلسفة التي تُعرف بكونها بحثًا عن الحقيقة، يتساءل أونومانو عن الغاية من هذا البحث عن الحقيقة، لماذا على الفلاسفة أن يمارسوا فعل التفلسف، الخير كذلك لأية غاية، هل لكونه غاية في ذاته كما قال كانط، من أجل أي شيء، يرى أننا سنتساءل دائمًا عن الغاية، وإذا عرفنا الفلسفة هي معرفة بالأسباب، تغدو في نظره غايات.

المعرفة لا تقود للحياة، لأن الحياة شيء، والمعرفة شيء آخر، بل هما متناقضان، وهذا التناقض شكل القاعدة الأساس لمفهومه الشعور المأساوي بالحياة، ويتجلى أكثر في الفلسفة، في كوجيطو ديكارت، «أنا أفكر، إذن أنا موجود» إذ إن ego غير واقعي(في صيغته الإضمارية cogito ergo sum) ووجوده غير واقعي أيضًا، كل ما يريد أن يقوله ديكارت، هو «أنا أفكر إذن أنا مفكر»، فوجوده هنا معرفة وليس حياة أو عيشًا، فأفكر يجب أن تكون أن أعيش، لأنه حتى الذين لا يفكرون يعيشون، بحيث يصبح الكوجيتو، ( sum ergo co gito) «أنا موجود، إذن أنا أفكر»، فالشعور بالتفكير هو شعور بالوجود، ولا يمكن الحديث عن تفكير خالص دون شعور، الذي لا يعترف به الفلاسفة الذين أفسدتهم العقلانية كما يقول، هذا بالإضافة إلى أنه عرف الإنسان في بداية كتابه أن ما يميزه هو الإحساس أكثر ما يميزه العقل، فالفلسفة إما أن تكون عملًا تكامليًّا تناغميًّا كما الشعر، أو لن تكون غير سفسطة.

انتقد العقلانيون كذلك في أن العقل البشري باستطاعته إثبات خلود النفس، على اعتبار أن الوعي وهو ماهية الإنسان، هو تلك الرغبة الخالدة التي تتملكه من أجل الخلود أو ما أسماه، الجوع إلى الخلود، في حين أنه لا يمكن أن يدوم هذا الجوهر بعد موت العضوية الجسدية التي يرتبط بها، لذلك فهذه الرغبة دائمًا هي في مواجهة العقلانية.

الحب كذلك ليس إلا وسيلة يبحث بها الإنسان عن الخلود، رغم أن أساسه شيء مأساوي ومدمر ينجلى في الحب الجسدي، والذي يمثل الأصل الحيواني للمجتمع البشري، ومن هذا الحب يولد الحب الروحي المؤلم، فإذا كانت الأجساد تربطها اللذة فإن الأرواح يوحدها الألم.

بالرغم من أن الكاتب ينتقد بعض المذاهب، الفلسفية خصوصًا، بتجريح بالغ، ويصفها أحيانًا بالسفسطة، فإننا لا يمكن أن ننكر أن هذا الكتاب هو ترجمة لقلق معرفي، وعمق تحليلي، وجرأة في الرأي. ويمكن القول عمومًا، لما يريد أن يوصله أونامونو، هو أن التاريخ المأساوي هو تاريخ صراع بين العقل والحياة، والعقل هو تاريخ الفلسفة، لذلك فالحياة تبحث دائمًا عن الضعف في العقل، ما دامت الفلسفة هي معرفة مأساة الحياة وتأمل لهذا الشعور المأساوي بها، لذلك هذا التناقض والتعاكس بين العقل والحياة هو موقف أنطولوجي لحتمية الوجود الإنساني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد