الطريق إلى الحرية حتما يمر بالمرأة العربية واستقلال الفرد مرهون باستقلالها

تقف مجعتمعاتنا اليوم امام مجموعة من الأسئلة المصيرية، التي تحدد مسار حضارتنا المنهارة ونهضتها المنتظرة منذ عقود، من ضمنها سؤال الهوية والدولة والعلاقة بين المجتمع والفرد.

وعلى مستوى لا يقل أهمية أبدًا عن هذه المخاضات التي تتطلب معالجة جذرية وفورية هي المسألة النسوية والعلاقة بين الرجل والمرأة والدولة في مجتمعنا اليوم.

في النهاية علاقة الفرد مع المؤسسات الاجتماعية المختلفة تحتكم إلى الدور المناط به والكيفية التي يعرف بها مكانه في المجتمع، وهو ما يشكل جزءًا لا يتجزأ من هوية الفرد المواطن في دولته ومجتمعه.

الفرد والهوية الجنسانية والمجتمع

الهوية الجنسانية للفرد أو الجندرية تنعكس جذريًا على دوره لتحدد علاقاته بالدولة ومنظومة سلطتها وبالأسرة وبنيتها ألأبوية الذكورية وبعلاقته مع الجنس الآخر وبالفرص التي قد تتوفر لديه أو لديها حياتيًا وعمليًا وحتى سياسيًا.

من هنا تنبع أهمية السؤال.

فمن ناحية، تفرز السلطة الأبوية السائدة مجتمعا مزدوج المواطنة، بحيث تختلف واجبات وحقوق المواطنين تبعًا لجنسهم، وهذا يتنافى مع مبادئ المساواة والمواطنة. ولدينا ما يكفي من الازدواجيات في مجتمعاتنا على أصعدة مختلفة، سواء فيما يتعلق بالطبقة أو فيما يتعلق بالمكونات الاجتماعية المختلفة.

ومن الناحية الأخرى، فإن المظلومية مضاعفة على المستوى الفردي عندما تسمح الثقافة السائدة للرجال بقمع النساء وحرمانهم وتفرض على الرجال أيضًا الحياة ضمن نمطيات معينة.

بالتالي، فإن المسألة مصيرية على مستوى المجتمع ككل وعلى مستوى الفرد الساكن فيه، وهو ما لا تخاطبه المؤسسات المجتمعية التقليدية.

مثال على ذلك، فإن المؤسسات الاجتماعية النسائية متواجدة بكثرة في بلداننا، فكيف تساهم هذه المؤسسات في تشكيل هذه الهوية والعلاقة بين الرجل والمرأة كأفراد وعلاقتهم بالدولة والمجتمع؟

أولًا، فلنوضح الفرق بين النسوي والنسائي، فالأهداف والمقاربات تختلف، لنعالج السؤال السابق في سياق التوضيح.

للفرد في مجتمعاتنا أدوار، والكثير منها منمط ومناط بهوية الفرد الجنسانية. وهنا يكمن الاختلاف بين النسوي والنسائي في الأهداف والمنطلقات والمقاربات.

فبينما تنطلق العديد من المعالجات في المنطقة من الافتراض أن المطلوب هو وجود مؤسسات معنية برعاية المرأة أو تشغيلها، الواقع أن النمط العام لهذه المؤسسات أنها مجردة من السياسة والمقاربات الثقافية المعنية بمخاطبة محددات الدور النمطي والجندري المناط بالمرأة وعلاقتها مع الرجل والمجتمع والدولة.

هذه المؤسسات النسائية تعالج إشكالات آنية وتوجه طاقات النساء في مجالات قد تكون ذات فائدة اقتصادية واجتماعية وثقافية ما، لكنها تعمل ضمن الأطر التي يحددها المجتمع لدور المرأة وموقعها.

فدور هذه المؤسسات هو العمل ضمن حيز الاستطاعة، ومعظمها ليس معنيًا بتحدي المحددات النمطية لتعظيم المردود والفائدة من انخراط المرأة في العمل والحياة العامة.

أما المؤسسات النسوية، فهي معنية بتجاوز هذه المحددات والأطر لتتساوى أمام المرأة والرجل فرصهم لتحقيق ذواتهم وحقوقهم في تحقيق مصيرهم بملء إرادتهم ومعرفتهم، كذلك مسؤولياتهم وواجباتهم، وبالتالي تعظيم المردود والفائدة.

وبينما تكون الجمعيات النسائية عادة حكرًا على المرأة، تكون النسوية كفكر وكحركة وكمنظومة، على أنواعها ومدارسها المختلفة، باستثناء بعض المدارس الحديثة المتطرفة، مفتوحة على الجنسين، لتعيد تعريف العلاقة بينهما والدولة على أسس تحررية، منها ما هو جذري ومنها هو محدود العمق والمنظور.

فالرجل أيضًا معني بتحرير نفسه من قيود المجتمع السلطوية الأبوي، كفرد، ليحقق استقلاله وحريته.

وعبر القرنين الماضيين، تبلورت مدارس فكرية متعددة، تسمى اصطلاحًا بالموجات. بعضها أخذ منحى متطرفًا في معاداتهم للرجل. وموجات أخرى تطرفت في طروحاتها إلى درجة أنها نفت بالكامل مشروعية أي بنية أخلاقية أو معنى لأي مشروع لمجرد كون مخرجه ذكرًا.

لكن عمومًا، ما يجمعهم كلهم هو الفهم التاريخي للكيفية التي تطور فيها المجتمع البشري ليصبح ما هو عليه وكيف صعدت منظومة السلطة الأبوية بانقلابها على الأمومية مع اكتشاف الزراعة وتبلور المجتمع العشائري البدائي، وهو ما لن نتطرق إليه بتوسع في المقالة. لكن من هنا تنطلق المدارس النسوية كلها.

فعن أية نسوية نتكلم

من المدارس النسوية ما هو أكثر ارتباطًا بالتحليل التاريخي للمجتمع البشري، كالنسوية الماركسية، والتي تنظر بعين موضوعية على كل مفرزات الوعي الانساني العقلاني عبر التاريخ ومراحله.

وفي المقابل، هنالك مدارس أخرى ترى العلاقة بين الجنسين بعين الانتقامية والبراجماتية على أنهما في حرب جندرية دائمة. فهذه المدارس لا تنظر إلى هذين المكونين على أنهما يكملان بعضهما البعض، بل على أنهما في تنافس تناحري مستمر.

كما أن هذه المقاربات تعتمد في الكثير منها على طروحات تفكيكية متطرفة، تشبه توظيف النازية لفلسفة فريدريك نيتشة في مشروعها الفاشي.

عمومًا، حتى لا نضيع في التفاصيل، فلنعتمد المقاربة النسوية الماركسية، لكونها – نظريًا على الأقل – الأكثر التزامًا بتحقيق المصلحة العامة والحرية للإنسان فردًا ومجتمعًا والأكثر موضوعية في مخاطبة تطور المجتمع البشري تاريخيًا والأبعد عن مقاربة الغاية تبرر الوسيلة التي تعتمدها الطروحات النسوية الليبرالية والنيوليبرالية فاشية النزعة.

ولمن لم يطلع على الأدبيات الشيوعية الماركسية واللاسلطوية الماركسية، فالمشروع الشيوعي الماركسي يرفض البنية الاقتصادية القائمة وثقافتها ويدرك أن الاستغلال والظلم واقع على مكونات المجتمع المختلفة بغض النظر عن جنسها، وأن الظلم المضاعف الواقع على المكون الجندري الأنثوي بالتحديد سببه نمط الإنتاج المرتبط بالمنظومة السلطوية الأبوية تاريخيًا.

هذا التيار صعد في العقود الأولى من القرن العشرين وقد انخرط بجذرية في محاربة الفاشية والرأسمالية الانتهازية في أوروبا، وهو يرفض أي تصورات نسوية لا تخاطب الصراع الطبقي والاستغلال في جذرها.

المهم أن النسوية الماركسية هي المعنية بقضية تحرير الفرد الإنسان من قيود الدولة السلطوية والمنظومة الأبوية والرأسمالية، وتهدف إلى تحرير المرأة بما يعني حرية اختيارها، لا بما يعني ضرورة تفكيك كل ما قدمه الإنسان من قيم عبر التاريخ.

من هنا أتى أيضًا وصفها بالنسوية الملتزمة، لالتزامها بقضايا الإنسانية وبأهداف تحرير الإنسان من سطوة الاستغلال والسلطة.

النسوية العربية والعولمة

تواجه المجتمعات العربية اليوم ثلاثة تيارات رئيسة؛ التيار النسائي، التيار النسوي الليبرالي، والتيار الملتزم الخجول.

الخليج العربي مثال شهد أكثر من موجة نسوية ونسائية عبر العقود، آخرها كان موجة النسويات الليبراليات اللواتي تحدين الدولة بقيادة السيارات علنًا في بعض المجتمعات الخليجية.

هذه الموجة معنية بتفكيك المنظومة الرجعية الذكورية السائدة في هذه المجتمعات وما يأتي معها من قيود أخلاقية ونفاق وازدواجية معايير، لكنها ليست معنية في معظمها في الكفاح من أجل التحرر الوطني مثلًا.

بالطبع، أثبتت حركة التحرر الجنسي في فرنسا أن الجرية لا تتم إلا بتملك الفرد لجسده، ذكرًا كان أو أنثى، لكن للحركة هذه في فرنسا مخاضات فلسفية وفكرية وسياسية لم تخضها الحركات النسوية الخليجية الحاضرة اليوم، كما معظم الحراكات النسوية العربية.

في ستينات وسبعينات القرن المنصرم، تصدرت ساحة الإعلام الخليجي زمرة من الصحافيات والكاتبات السعوديات اللواتي أبهرن العالم العربي بما قدموه وما أثروا به عالم الصحف الخليجية؛ من ضمنهم المحررة وكاتبة العامود المعروفة باسم قلمها هنادي.

ما قدمه هؤلاء النساء في إثراء المحتوى الثقافي والسياسي الخليجي والعربي كان مهمًا، فهو لم يكن انكفاء عن الساحة السياسية الاجتماعية الوطنية في بلدانهم، بل كان تأكيدًا على أهمية هذه الساحة وعلى قدرة المرأة العربية على المشاركة بندية مع الرجل في تشكيل مسار ومصير المجتمع في أكمله.

لم يكن المشروع النسوي حينها محصورًا بقيادة سيارة او السفر بمحرم او دون محرم، بل كان يتطرق الى كل هذه المواضيع في سياق مخاطبة الهم الوطني العام وقضاياه.

لكن أهم اشكالات هذا التيار كان خجله في مجابهة البنى المجتمعية الذكورية مباشرة، وهو ما أفقدها زخمها في أواخر الثمانينات.

في المقابل فإن مأساة الحركات النسوية الليبرالية اليوم تتجلى في تجزئتها للصراع والقضايا، وهو ما تشجع عليه الأدبيات الليبرالية لتفكيك الجبهات الاجتماعية المقاومة للعولمة وثقافتها الاستهلاكية والأجندات السياسية الكبرى.

فالناتج من أطروحات كهذه على المدى الطويل أن المطالب المجتزأة تتحقق، كقيادة السيارة، دون أن تشكل خطرًا على المصالح النيوليبرالية في هذه المجتمعات. فيبقى النفط بيد الاقطاع واسياده الاستعماريين، بينما تسافر المرأة بحرية وتدرس بحرية وبمعزل عن المجتمع والوطن ومتطلبات تحررها، بينما تجتهد في عملها وانخراطها في المنظومة الانتاجية الأبوية الرأسمالية التي تسيطر على مصيرها ومصير كل زملائها، فيتبدل قيدها بقيد، بينما تنعم بوهم الحرية لتقود سيارتها بهدوء.

طبعًا، القيد الشخصي على الفرد الأنثى مهم كسره، لكنه لا يختزل القيود التي تكبل إرادة المرأة اليوم.

كما أن هذا الكلام بالضرورة لا يعمم في المطلق على الحركات النسوية في الخليج العربي. فهنالك من يعي حقيقة الصراع ويحارب لأجله. وهنالك عدد من النسويات اليمنيات والبحرينيات والسعوديات والكويتيات الواعيات بمشروعهن العظيم.

مثلهن العديد من النسويات العربيات الملتزمات، كالباحثة والصحافية الأردنية سهير التل وغيرها من النسويات الملتزمات بقضايا المجتمع والفرد العربي وطموحاته نحو الحرية، والكثير الكثير من الصبايا اللواتي يحارب يوميًا من أجل الحرية، فردًا وجماعة، دون أن يسمعن ولا أن يعرفن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة