(1)

اتَّصلَتْ بي وأنا في مدينة زيوريخ السويسرية وقالت لي: رامي كيف حالك؟ قلتُ لها: بخير، أنتِ كيف حالك؟ قالت لي: أنا بخير، أنا وزوجي ندعوك على العشاء يوم الاثنين القادم، وسيكون العشاء بسيطًا جدًا، هل عندك مانعٌ أن تأتي؟ قلتُ لها: لا بأس، بالطَّبع أريدُ أن آتي لكم، أنا في انتظار يوم الاثنين للمجيء.

حينما أتى يوم الاثنين أتت بنفسها إلى مسكني كي تأخذني إلى بيتها، دَخلَتُ وكان زوجُها في استقبالي، وكلبهم الصغير، ثم قال لي: هل تشرب البيرة؟ قلتُ له: لا، أنا لا أشرب، قال لي: نحن أيضًا لا نشرب إلا قليلًا، في المناسبات فقط، قدَّم لي طعامه البسيط، وأكلنا سويًّا، ثم تداولنا أطراف الحديث عن كل شيء عن الحرب العالمية الثانية، وعن ألمانيا وعن مدينة توبنغن التي ينتمون إليها والتي كنا فيها، وعن الآثار المصرية والتاريخ المصري والحضارة المصرية.

قال لي زوجها الألماني: إننا في طفولتنا كنا ندرُس الحضارة المصرية القديمة أكثر من تاريخ ألمانيا بلادنا، كنا ندرسه في السنة الأولى والثانية والثالثة، في كل سنة ترى الحضارة المصرية، وظل يحكي ويقول حتى ضحكنا كلُّنا، طالَ الحديث عن مصر ساعات، لكنَّ بداخلي شيئًا ما أثناء هذا الحديث يُشعرِني بأني مُهدَّدٌ، يقول لي هذا الشيء: ها يا رامي! سيأتي الحديث عن مصر الآن، عما حدث في مصر من أحداث، عن الوضع الآن، عن اقتصاد مصر، عن عن عن، وقد وقع ما كنتُ أخشاه.

لا أدري كيف تتطوَّر الحديث بيننا حتى طال الحديثُ الثورةَ في مصر، لكن لا بأس، هكذا يقولون، الكلام يجرُّ بعضه بعضًا، فالكلام من الكلام، لم أتذكر الآن من حديثنا شيئًا إلا هذا السؤال الذي بادرتُهم به: «أنتم ماذا شعرتُم حينما حدث انقلاب؟»، ففوجئا جدًّا بالسؤال، وقالا لي: نحن كُنَّا نفكِّر أن الأمور ستسير في طريق التحسُّن.

كي أشرح لهما كيف سارت الأمور استغرق هذا الأمر مني وقتًا طويلًا، المشكلة هنا ليست الوقت، المشكلة تكمن في المشاعر التي تحاول إخفاءها وأنت تروي ما حدث وما شاهدته وما صنعته وما حاولت صنعه وما فشلت أن تصنعه، تروي هذا في نفسك وترويه في غيرك أيضًا من نفوس أصدقائك الذين ذهبوا جميعًا، لم يبق منهم أحد، منهم من ذهب إلى الله، ومنهم من ذهب إلى أماكن أخرى، ومنهم أنت نفسك، فقد ذهبتَ أنتَ وتركتَهم جميعًا، هل تستطيع إذن أن تروي كل هذا دون أن يَقْشعرَّ بدنك أو تشعر بأن كل هذا كان بين يديك ثم ذهب في لحظة عين؟ أنا لا أستطيع.

كان من ضمن أصدقاء هذه العائلة صديقة ألمانية مديرة لأحد المتاحف الفنية في إحدى الشركات الكبرى الألمانية، إلى جانب هذا معها دكتوراه في التاريخ الألماني الحديث خاصة عن النازية وفنانة تصنع معارض في البلاد الأوروبية، ومع كل هذا كان عندها فضول دائمًا لسؤالي عن الحياة في مصر وأحداثها وأحوالها، ذات مرة قلتُ لها أثناء حديثنا: هل تعرفين إذا أراد أحدُ الشباب المصري أن يأتي إلى ألمانيا ماذا سيفعل؟ فقالت لي: لا، فظللت أشرح لها كيف يعاني الشباب المصري وكيف عنده تَوقٌ كي يرى أوروبا لكن أوروبا بالنسبة له أملٌ بعيد المنال، شرحت لها كثيرًا وكثيرًا كي أنقل لها الصورة، لكنها أجابتني إجابة لا أنساها في حياتي:

«بالطبع لا أستطيع أن أشعر هذا الشعور، وأنا أتحرَّك إلى أي بلدٍ أريده كما أشاء، وأعيش بحرية مطلقة»، هكذا بصراحة الألمان كان جوابها.

هنا في تركيا بعدما أنهيتُ محاضراتي مع طلابي بقي وقتٌ في المحاضرة الأخيرة، وأردنا أن نمضي بقية الوقت في حديثٍ آخر، قال لي بعض طلابي: يا أستاذنا حدِّثنا عن الثورة في مصر! قلتُ لهم: لا أريد أن أتحدَّث، فأصرُّوا، فوقعت فيما وقعت فيه مع الألمان.

(2)

منذ أن خرجتُ من مصر وأنا لا أتحدَّث عن الوضع في مصر على الإطلاق، لأسباب أولها إيهام نفسي أولًا بأني رجلٌ طبيعي وإيهام من حولي ثانيًا بأني كذلك، ثانيها: أن الحقيقة المُرّة في أن هذا بلدي لا أستطيع أن أتنكَّرَ له على أي حالٍ، أو أكشف سوءتي للأقرباء فضلًا عن الغرباء، ثالثها: أنني لا أستطيع أن أفصل نفسي ومشاعري عمَّا وقع من أحداثٍ في الحديث، رابعها: هو ذلك الشعور الذي يتملكني دائمًا، شعورُ هذا الرجل العظيم الكبير الذي كان يهابه النَّاس، وفجأة أصيب بشيء في جسده، جرحٌ أو ما شابه، هذا الشيء يحاول إخفاءه من الناس كي يحافظ على كبريائه وعظمته، لكنه يأتي في لحظةٍ ما، فيظهر الجرح وينكسر ويظهر هذا الرجل مهزومًا مكسورًا.

(3)

في الأشهر الأخيرة من سنة 2010 لا أذكر الزمن بالتحديد، جاءني الصَّديق المرحوم محمد يسري سلامة، وكان شغوفًا بالمناظرات مع السلفيين، وكان الموضوع الرَّائج آنذاك هو المطالب السبعة، فكان يناقش السلفيين في المنتديات عن أحقية المطالب السبعة وشرعيتها وعدم مخالفتها للشريعة الإسلامية، وكان يأتيني ويقول لي: «خُش اكتب معايا»، أقول له: أنا ليس عندي نفَسٌ مثلك في المناقشات.

تقدَّمت الأيام وظهر محمد البرادعي وظهرت الجمعية الوطنية للتغيير بقوة، جاءني وقال لي: «هل وقَّعت؟ قلتُ له: لا، قال لي: وقِّعْ، أدخلتُ اسمي على شبكة الإنترنت ورقم بطاقتي، وكان من جُبْني أني كتبت اسمي هكذا «رامي إبراهيم السيد»، وجبنتُ أن أكتب الاسم الرَّابع من اسمي، خوفًا من الأمن، هكذا دفَعني عقلي الصغير أو خوفي لأفعل ذلك، أنا الآن أسخر من نفسي على هذه الفعلة.

جاء الدكتور فتحي سرور (شرور) إلى مكتبة الإسكندرية ليلقي محاضرة مع باقة من ألمع المطبلاتية، جلس يلقي المحاضرة، وهم يُطبِّلون: أسد مصر، القانوني الأول…

سأله أحد الحاضرين عن التوقيعات للمطالب السبعة المشهورة، فقال بنبرته المشؤومة: «هذه المطالب ليست قانونية».

جاء يوم 25 يناير (كانون الثاني)، ذهبتُ أنا ألعبُ الكرة مع أصدقائي، على أني لا ألعبها في حياتي لكن هكذا الأيام! وكنت أترقّب ماذا سيحدث هذا اليوم، في اليوم التالي 26 يناير، جاءني محمد يسري سلامة وجلس معنا، وظلَّ يحكي ما حدث، وكيف فرَّ من الأمن ومن الغاز الذي يلقونه، دبَّ في نفسي حماسٌ لم أرَه في حياتي، وقلتُ لزملائي في العمل: من لم يخرج هذه الأيام فسيندم طيلة حياته، تابَعتُ فيديوهات كثيرة، راب «الناس بتموت، والعمر يفوت..»، أسماء محفوظ بلدغتها: «لو إنت راجل انزل»، نوارة نجم في قناة الجزيرة: «لا إنتو فهمتونا غلط، إحنا طلعنا عشان نسمع كلمة: «أنا فهمتكم بتاعة زين العابدين بن علي»، الأم العجوز التي تحدِّث ضباطَ الشُّرطة: «منكو لله خربتو البلد، حسبي الله ونعم الوكيل».

هجَمَتْ جُمعةُ الغضب، قلتُ لزوجتي: قد لا أرجع! وأنا أعرف أني جبانٌ جدًّا، قبل صلاة الجمعة في الصباح، المشهد متغير تمامًا، لا يوجد في الشوارع إلا من يريد ما أريد، الثورة، لا شيء غير الثورة، ركبتُ المشروع (باللهجة السكندرية) وأنا أفورُ من داخلي، أنتظر أي شخص يقول لي أي شيء، حتى أقول له: نعم سوف نُسِقطُ النظام سوف نحطِّم الظلم، نريد أن نعيش…

ذهبتُ إلى جامع القائد إبراهيم، نعم القائد إبراهيم حيث كورنيش النيل، مشيتُ مسافاتٍ لم أمشها في حياتي، صلَّينا الجمعة بعدها توجَّهنا إلى أماكن كثيرة، كنت أمشي مع الناس وفقط، دون سؤال إلى أين، بهتافاتٍ: «الشعب يريد إسقاط النظام»، لن أزيد من ذكر وتذكُّر هذه الهتافات الآن، فكما أسلفت لا أحب تذكُّر الألم.

هذا اليوم وجدتُ نفسي وحيدًا فجأة في حي الفراعنة عند مديرية أمن الدَّولة بعدما رأيت أشياء أول مرة أراها في حياتي، يا إلهي نقطة الشرطة قد خربت تمامًا، نقطة الشرطة؟! إنها المكان المقدَّس المهيب المصون الذي كنا نخشى أن نمرَّ من أمامه، ثم بعدها وجدت طلق النَّار قد حمي، والغاز من كل مكان، اختنقتُ جدًّا، وظللتُ أبحث عن سيارة تحملني، بيتًا أدخل فيه، لا مناص، لا أرى شيئًا من الغاز، أسير وأسير، بل أجري وأجري حتى هُديتُ إلى مكان ليس فيه غاز، كأني خرجت من هذه البقعة المظلمة، ذهبتُ لصلاة المغرب في ظل هذا، وكنت في الشارع، والإمام قد قرأ وأطال في القراءة وأنا قلبي خائفٌ مرتجفٌ، وأقول في نفسي: هيا أيها الإمام ألا تسمع طلق النار والغاز من حولنا؟! وذهبتُ إلى بيتي مشيًا على الأقدام، لم أشعر يومها بأي تعبٍ بل كانت متعة، تلك المتعة التي سببتها هذه اللحظة، لحظة الشعور بإمكانية أن أعيش إنسانًا ليس أكثر.

(4)

طُلب مني هذا المقال كي أسجِّل ما مررتُ به وما يدور في نفسي وما نشأ في ذهني من أفكار بمناسبة الثورة، فقلتُ: لا بأس، وسألتُ نفسي سؤالًا بسيطًا ماذا تعلَّمت من الثورة؟ فقالت لي: ربما يكون الجواب هكذا:

تعلّمتُ درسَ البشر، حينما يكون أخ لك يقف في ظهرك أو يتظاهر بذلك، ثم تنقلب الدَّفة فيدير وجهه مباشرة دون خجل.

تعلَّمتُ كيف يُكوَّنُ المجتَمع الطَّبَقيّ، وكيف يكوَّن الفكر الطبقي لدى الفرد في المجتمع، فالأمر بسيطٌ جدًا هنا، أعط أحدًا بدلًا من المبادئ أموالًا وقرِّبه إليك، بعدها سيدوس على الخلق، يتغيَّر لسانه وينظر شذر مذر.

تعلَّمتُ كيف يخون الإنسان دونما أن يرى فيما يفعلُه خيانة أو عيبًا بل هو السعي من أجل لقمة عيشه ومصلحته، رأيت من كان ضعيفًا يتذلل، ثم أصبح قويًا يتكبَّر، ثم عاد مرة أخرى.

تعلَّمتُ أن الإنسان قد يقول في حماسه ما قد يندم عليه في أوقات هدوئه، تعلَّمتُ أن أصحاب المبادئ هم 10 في العشرة ملايين نسمة، ندرة نادرة تكاد تكون معدومة، تعلَّمتُ أن أندر منه أن يجتمع صاحب المبدأ وصاحب الرأي وصاحب الحيلة في وقتٍ واحد.

تعلَّمتُ أن مجتمعاتنا لن تتغيّر، فالعظيم يبقى عظيمًا والحقير حقيرًا، وصاحب المبدأ له رغيف خبز لا زيادة عليه، وأن الخير فيَّ أنا فقط، أنا من الممكن أن أتغيّر والوسيلة الوحيدة لهذا أن أترك هذا المجتمع، وأبني نفسي بعيدًا عنه، وإذا احتاجني مرةً أخرى، فلا أدري هل سأستجيب كالعادة أم أن قلبي قد قسا وانصرفت طاقته عن ذلك؟!

تعلَّمتُ أن الجمع الكبير لا عقلَ له ولا أمانَ له على الإطلاق ولا يُعتَمدُ عليه، يسوقه الخوف أو المال من ملذات الدنيا.

والسَّلام…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

25 يناير
عرض التعليقات
تحميل المزيد