كان اليمنيون يعانون من أزمة حكم عابرة، مرورًا بشُغف الانتماء الحزبي، وتضييق عباءة الوطن، لكنها تحولت اليوم إلى أزمة وطن تعصف بشمالهِ وجنوبهِ بفعل تفجير الصراع في اليمن بدوافع انتقامية بحتة، وسط خروقات إقليمية عبثية، والتي تجاوزت كل ثوابت الصراع السياسي الممكنة. لذلك ما عادت أزمة الوطن اليمني تحتمل الفشل. دومًا وأبدًا كانت القوة الغاشمة، والاحتقان الديني، والخطط الجهنمية للحكم سبب مشاكل اليمنيين، وما من ند لمشاكل كهذه، إلا تغليب روح التسامح، والحكمة السياسية، ومصلحة اليمن المجردة. بالفعل فالمحك التكتيكي، والذي يراهن عليه البعض اليوم، والذي كان يرسم العلاقة ما بين اليمنيين لم يعد مجديًا بفعل اندثار المحك النفسي الاجتماعي، والذي يمثل جوهر، والأساس للوحدة السياسية بين اليمنيين  في 22 مايو (أيار) سنة 1990، فالوحدة دومًا وأبدًا وحدة قلوب قبل الحدود. بالفعل الشعور بالإنتماء كان وما يزال هو العنوان العريض للوحدة اليمنية المباركة، وكان ضمن  أجندة صناع قرار، وثوار 14 أكتوبر (تشرين الأول) في الهدف الثوري الثالث، والذي نص على إعادة توحيد الكيانات العربية الجنوبية سيرًا نحو الوحدة العربية والإسلامية على أسس شعبية، وسلمية، بل أيقونة تلكم الثورة المجيدة، والتي صنعها الشمال والجنوب في 14 من أكتوبر سنة 1963.

أزمة العقل في اليمن

اليمن تحتاج إلى هندسة اجتماعية، وأطر قانونية للدولة، وهندسة الواقع من التكديس نحو البناء، لكن كيف ننمي فرص حياة ومعيشة اليمنيين فيما بينهم بدون الانتقاص من الآخرين؟ لو بحثنا عن عينة للتنمية الوطنية في اليمن، فخير نموذج هي وثيقة مخرجات الحوار الوطني الشامل، والتي تطرقت إلى المصالحة الوطنية، والعدالة الانتقالية، فضلًا عن فرد أبواب للقضية الجنوبية، وآخر لقضية صعدة، والتي ما تزال حبرًا على ورق حتى يومنا هذا، نظرًا لأن الحوار الديمقراطي في واد، بينما التماسك الاجتماعي في وادِ آخر، وقد قفزت عليهِ جماعة الحوثي كمكون شمالي، وهذا منح مكونات الحراك الجنوبي مبررات منطقية لتتجاوزها كأمل مستقبلي لحل المشكل ما بين شمالي اليمن وجنوبه. بالفعل لقد كانت وثيقة مخرجات الحوار الوطني الشامل تلبي طموحات اليمنيين في بناء دولة اتحادية، وفيها  مفاهيم جديدة للزعامات والجماعات، وكذلك الأفراد، بل من المفارقات العجيبة أن هذه الوثيقة تم بناؤها من النخب والأحزاب ومراكز القوى، ومن الجميع بدون استثناء. إذًا فلو دققنا في استراتيجية الفاعل التنموي، والروح الوطنية في اليمن، فهي تعتمد بدورها على مرتكزات النهوض التنموي في اليمن، والتي في الأساس تعتمد على الاندماج الاجتماعي في بلد المليون فرصة استثمار، ذي شريط ساحلي بطول 2500كم، والأخير – أي  الاندماج الاجتماعي – يعاني فشلًا مزريًا يومنا هذا، وهنا المشكلة، وبكبره تكبر، وتتعاظم أوجاع ومشاكل اليمنيين.

هل اليمن يعاني من أزمة تطور حضاري؟

اليمن ومع نهاية 2018 تعاني من أزمات الأمن، وغياب الخدمات، واِنقطاع الأجور، والمرتبات، والغلاء الفاحش، واِنتشار سمسارة السوق السوداء للمشتقات النفطية، والمضاربة بالعملات الأجنبية، وهو ما قاد إلى الانهيار الاقتصادي الشامل، وهي ما تسمى بالدولة الغائبة. ولو ذهبنا بعيدًا فأبسط مقياس للتطور الحضاري هو تطور المجتمع، وهذا جدل عقيم في اليمن. فما تزال مجاميع ترى أنها أحق بالسلطة، والسيادة على الآخرين، وفرض سلطتها، ونفوذها، ومشاريعها الدينية مهما كلف ذلك اليمنيين من معاناة مستمرة وكارثية. وبالتالي فما الذي يسهم في عودة الدولة لليمنيين؟ ومن ثم ما الضامن والقادر على إبقاء الوحدة بين اليمنيين من جانب آخر؟ بلاشك عودة الثقة العامة، لكن كيف تعود الثقة العامة، والمشاركة في إدارة البلد. ذلك يعنى به تنمية اجتماعية، وإعادة التجانس الأجتماعي وفق القواسم، والحاجات المشتركة، وإعادة النظر في السياسات الاقتصادية والاجتماعية؛ للوصول إلى مربع توحيد المصالح الاقتصادية، ومسابقة الزمن نحو تحقيق هذه الأهداف بأقل جهد، ووقت، وإمكانيات.

اليمن الموحد الممكن

يبدو السؤال محل الطرح هنا: ما الهدف القريب لأبناء اليمن الموحد؟ وما هي الغايات البعيدة؟ المنطق يقول إن القيادة المناسبة هي الركن الأساس في حل الصراعات، ومعها تحتاج اليمن إلى عباقرة الهوية الوطنية للإسهام في بناء الدولة. لقد كان بالإمكان الانتقال إلى اليمن الفيدرالي (الاتحادي) بكل سلاسة بعد الانتهاء من مسودة الدستور اليمني الجديد، لكن مع الأسف الشديد تعثر بناء الدولة العقلانية، وتم الزج بنا في دوامة الانقلاب، والحرب الأهلية، وهذا ما يجعلنا نناقش الوحدة اليمنية  في الذكرى الـ55 لثورة الـ14 من أكتوبر 1963 من بوابة الممكن والقوة والضعف. فالممكن المتاح، وهو أفضل الممكن في ظل الظروف المتراكمة على اليمن منذ 2014، وهو العودة لمخرجات الحوار الوطني الشامل، ونحو بلد فيدرالي لكن هنالك احتمالية قوية للكونفيدرالية، إذا كان ثمت مفترق طرق للوحدة اليمنية لا سمح الله، في حين تبقى مطالب الانفصال هي الحلقة الأضعف؛ كونها تفقد اليمن بشمالهِ وجنوبهِ الاستقرار على المدى القصير والبعيد، وتعجل السير به نحو الخراب السياسي والدستوري، وتنامي الصراعات المسلحة على المصالح الاستثمارية. بالفعل اليمن بلد غريب؛ فالواقع المعاش شيء، والماضي شيء، وما ورثناه شيء آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد