تدور بنا الحياة دورتها، ويمر بنا الزمن، ويعمل فينا الليل والنهار، حتى نعيش ما قُدًر لنا من أنفاس على وجه البسيطة، ثم ينقضي العمر، ونذهب إلى حيث ذهب الآباء؛ لنصبح ذكرى لمن يأتي خلفنا، هكذا الحياة، يُولد الإنسان، ويمضى، يتقلب فيها حتى ينقضي الأجل.

وتكون مهمة الإنسان أن يعيش مراحل حياته المختلفة، بدء من الضعف إلى القوة، ثم إلى الضعف مرة أخرى، ثم إلى الشيب في سعادة واستقرار، وتأتي هذة السعادة بمعناها الحقيقي بالانشغال بأمر ما؛ ليصبح قضية أو مهمة لا تنتهي إلا بنهاية عمر الإنسان. أما إذا عاش الإنسان حياته هكذا، لا في عمل للدنيا، ولا عمل للآخرة، فهو يحكم على نفسه بالتعاسة والشقاء الأبدي؛ لأنه لن يستشعر الإنسان قيمة نفسه، إلا بما يقدمة ويحققه لذاته أو لغيره.

سن المعاش. تلك الظاهرة الملحوظة بقوة، والتي تمثل عبأ شديدًا على المجتمع؛ إذ يصبح الفرد بعدما كان منتجًا أصبح مستهلكًا، بل الأصعب من ذلك أنه قد يكون بلا هدف يعيش من أجله، فقط يغدو إلى المسجد لقضاء الصلوات الخمس، ويجلس في بيته بالساعات، وربما إذا أراد التخلص من حالة الملل المصاحبة له يقضي وقتًا مع أقرانه من ذات العمر على المقهى في الحديث عن مجريات الأحداث أو سير الناس. وإذا سألته: ما هدفك في الحياة الآن؟ يسكت، ولكن لسان حاله يقول: أنتظر الموت!

إن أقسى شعور قد يمر به الإنسان هو انتظار الموت بلا أي عمل يقابله، وقد تأملت في تلك الظاهرة السلبية، وفي أسبابها؛ من أجل محاولة الوصول للحل واستغلال هذه الأعداد الهادرة التي ربما لو استُغلت بشكل صحيح لأضافت للمجتمع الكثير، أو على الأقل لن تكون عبأ عليه، فوجدت أن أول سبب أن الفرد المُقبل على سن المعاش هو في الحقيقة لا يدرى ماذا سيفعل بعد المعاش، وكيف سيقضي وقته.

العمل الحر خير من الوظيفة مهما كان العائد منها، تلك المقولة التي طرقت أذنى لما ناقشت رجلًا تجاوز عمرة الستين، وقد بدا علية علامات الندم وهو يجلس في بيته بصحة جيدة لا ينقصه إلا عمل مفيد يقضي فيه وقته. ربما أن لو كان صاحبنا من رواد الأعمال، لتغير حاله الآن، وقد بدا بنفسية أفضل. إن العمل الحر – مهما كانت كلفته باهظة ومخاطرهُ كبيرة، إلا أنه – يضمن لك الاستقرار المادي والنفسي فيما بعد.

أصحاب القضايا والمهتمون بشيء ما يُضحون من أجله بكل شيء دائمًا يعيشون أعمارًا فوق أعمارهم واستقرارًا نفسيًا ليس لأحد سواهم؛ ذلك لأن صاحب القضية يمكن أن يفني عمره من أجل فكرته واعتقاده، بل ربما يدفعه للتضحية بماله ووقته وعمره من أجل ذلك. هذا لا يُشكل له الزمن أي عامل أو اعتبار، يعيش ويموت من أجل فكرته؛ لتحيا وتنتشر. فلا شك أن المقبلين على سن المعاش من أصحاب القضايا هم بالفعل يعملون، وليس لديهم وقت فارغ لإضاعته، فلا ملل ولا رتابة ولا ضيق.

إلى المقبل على سن المعاش، إن لم تكن من أحد رواد الأعمال، فكن صاحب قضية. اشغل نفسك بما ينفعها، كالمشاركة في الأعمال التطوعية والخيرية، أو حفظ القرآن، أو إكمال دراسة، أو البدء في عمل حر، فأشهر الشركات الناجحة الآن كان أصحابها قد بدأوا متأخرين، ولكنهم نجحوا، كراي كروك، الذي بدأ تأسيس سلسلة مطاعم ماكدونالدز في عمر الـ52 عامًا سنة 1954. وطور المطعم ليصبح الأكبر في العالم، هارلاند ساندرس أو المعروف أكثر بالكولونيل ساندرس، كان عمره 62 عامًا عندما حصل على امتياز مطاعم كنتاكي عام 1952، ثم باعه بعد ذلك بـ12 عامًا مقابل 2 مليون دولار.

هي حياتك، ستعيشها مرة واحدة؛ ففكر جيدًا كيف تستمتع بكل تفاصيلها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات