سبع سنوات قد مرت على قنابل الغاز المُسيلة للدموع، على (السحل) في الشوارع، وعلى قناصة النظام المُتأهبين فوق مباني جامعة القاهرة العتيقة، لإنزال رصاصهم في صدور المعارضين، سبع سنوات هي عُمر معارك بدأت في الخامس والعشرين من يناير ولم تنته، كانت فيها قصائد أمل دنقل، وصوت الشيخ إمام، هما الوقود لإشعال حماستنا، ونحن ملتفين حول النار في شتاء قارس أمام إحدى خيام التحرير.

كل الذكريات تأتي غائمة ومُتقطعة، في مشاهد منفصلة لأحداث وقعت على فترات زمنية متباعدة، إلا ذكرى واحدة تقفز في الذاكرة بوضوحٍ تام، هي ذكرى وفاة صديقي مينا.

المشهد الأول: «عيش حرية عدالة اجتماعية»

في الخامس والعشرين من يناير انضممت للحشود المتجمعة أمام مسجد مصطفى محمود على استحياء، هتفت معهم بصوتٍ منخفض؛ إذ كانت تلك هي تجربتي الأولى في الهتاف، وفي يوم 26 خرجت باكرًا متجهة إلى ميدان الإسعاف على موعدٍ في مقر أخبار اليوم لأتسلم نسخ كتابي الأول والأخير، خمسون نسخة قمتُ بتوزيعها على الأصدقاء لأستطيع الهتاف والسير، حتى تم إجبارنا على النزول إلى محطات المترو بالقوة، إلا أن اليوم الحقيقى الذي خرجت فيه من منزلي وأنا أشك في عودتي سالمة كان 28 يناير.

كان الاتفاق هو أن نتجمع أنا والأصدقاء أمام عمر أفندي بميدان الجيزة في حالة انقطاع الاتصالات، نصلي الجمعة بمسجد الاستقامة، ومن ثم نشارك المسيرة حتى ميدان التحرير؛ ليأتي المشهد الأخير لقناصين يقفون أعلى مباني جامعة القاهرة، رأيتهم على مرمى البصر، وأنا أختنق من شدة الدخان، وعندما أردنا أن نأخذ هدنة من الغاز المسيل للدموع رفض حارسا عقار المدرسة السعيدية فتح أبوابهم إلينا، لنستنشق بعض الهواء.

عرفتُ مينا لاحقًا في الميدان، رأيته لأول مرة يوم التاسع من فبراير، جالسًا على بطانية أمام صيدلية ملاك، كانت حماسته أكبر منا، وكان يريد للفقير أن يكون له مكان سوى ملح البحر. كانت لنا هناك أحاديث عن العمل الثوري والسياسي؛ إذ ظننا بسذاجة أطفال أننا رفقاء ميدان، نبني الوطن من جديد ونصنع له حاضره. كنا مواطني جمهورية ميدان التحرير، والتي كانت حينذاك هي المكان الوحيد الآمن أثناء حظر التجوال من هجمات البلطجة بعد انسحاب الشرطة، تلك الجمهورية التي قمتُ بنفسي بتوثيقها يوم 9 فبراير بكاميرتي الصغيرة، ويدي المتواضعة في التصوير.

المشهد الثاني: «سقط الموت.. وانفرط القلب كالمسبحة»

بالأمس هاتفت ماري دانيال، شقيقة مينا؛ أخبرتها أنني سأكتب عنه بالغد، وسألتها عن نص تقرير الطب الشرعي للوفاة، وإن كانت تود أن تقول شيئًا لأخيها، كان ردها: «يا ليت الزمن يعود مرةً أخرى ليوم 24 يناير، وكل بيت له شهيد يتلفح به، ونكتفي بهذا القدر من السخرية».

لم تستطع ماري أن تضيف شيئًا آخر سوى جملة واحدة في مرارة: «أتمنى أن يكون حاضرًا معي الآن»، ثم أخبرتني أن تقرير الطب الشرعي الأخير قال بالنص إن مينا أصيب بمقذوف حي في أعلى الصدر، خرج من أسفل الظهر أدى إلى مقتله، وتسبب في نزيف وتهتك بالأحشاء الداخلية، انتهي بهبوط حاد في الدورة الدموية والقلب مما أدى إلى وفاته، وهو ما يشير إلى أن الرصاصة قد تم إطلاقها من مكانٍ عالٍ برصاصِ قناصة.

أتذكر جيدًا يوم وفاة مينا، اطلقت عليه وكالات الأنباء (أحداث ماسبيرو)، وأطلقنا عليه يوم (الأحد الأسود)، قضينا يوم الخامس من أكتوبر في المشرحة، بين أسر الضحايا المكلومين، ورائحة الدماء تزكم الأنوف، رأيتُ صديقًا يرطم رأسه بالحائط، وآخرين يصرخون؛ لأنهم لم يتمكنوا من فدائه، أما أنا فقد ظللت هادئة حتى احتضنت والدته، وشرعنا معًا في البكاء.

كثير من المرارة أخفيناها بين حفلات التأبين والتكريم، لكننا لم ننس، أردنا حق دمائه، وليس صورة جرافيتي على جدران الجامعة الأمريكية، تلك التي مُحيت الآن، بضربةٍ أخيرة موجعة لنا لمحو آخر ذكرى باقية.

المشهد الثالث: «أترى حين أفقأ عينيك، ثم أثبت جوهرتين مكانهما.. هل ترى؟»

كان مقهى صالح في شارع شامبليون، هو مركز تجمعنا، إبان أحداث محمد محمود، كنا نأخذ هناك الهدنات، نحتسي كوبًا من الشاي سكر زيادة رغمًا عنا، لأنه المقهى الوحيد الذي باستطاعتك أن تجلس عليه طوال اليوم دون أن تدفع حسابك في الحال، بعضنا كان يبيت على أحد كراسيه، والبعض الآخر كان يتعافى هناك من رائحة الدخان، ونقدم له الإسعافات الأولية.

كنا نلعب بالدف طوال الليل، ونحن ننشد أناشيد الثورة، «وأطلق كلابك في الشوارع، واقفل زنازينك علينا»، «واتجمعوا العشاق في سجن القلعة»، «مصر يامة يا بهية»، وكانت أغنية الشيخ إمام «جيفارا مات»، حاضرة في كل جلساتنا بعد وفاة مينا؛ إذ كان مينا مؤمنًا حق إيمان بأفكار جيفارا الثورية، فأقسمنا على أن تظل أفكار مينا باقية، أردنا أن نحقق له حُلم الوطن الذي تمناه، دون فساد، دون بطالة، ودون فروق اجتماعية وطبقية، وإبان أحداث شارع محمد محمود كنا قد تمكنا من تأسيس حركة مينا دانيال، إذ كانت الأحداث في ذكرى الأربعين لشهداء ماسبيرو، وأصبح صديقانا «طارق معوض ومايكل» حاملي لواء العلم، والذي أصبح فيما بعد علامة بارزة في مواجهات محمد محمود.

كان العلم مطبوع عليه صورة مينا وهلال مع الصليب وكلمة حرية، وكان كل من حمله مسالمًا، فقط يسعى لأن يكون في الصفوف الأولى في المواجهات، تمامًا كما كان مينا، كان الجميع مندفعون، يلقون بأنفسهم باتجاه الموت، إلا أنه قد خيب ظنهم في كل مرة، وكان نصيبهم طلقات خرطوش متعددة، تركت على أجسادهم علامات باقية حتى اليوم.

المشهد الخامس: «لم نصالح»

كان المشهد الأخير الذي أذكره في الثورة، إبان أحداث الاتحادية، إذ أصيب أحد الأصدقاء بحمى جراء جرحٍ غائر في وجهه، وكان هناك صوت لطلقات نارية تفزعه، فبحثت عن سماعات الأذن الخاصة بي، ووضعتها في أذنيه، وقمت بتشغيل الموسيقى بصوتٍ عالٍ، حينها نجحت في أن أحميه من هيستيريا ما يحدث بالخارج، ولكن الثورة كانت (تفرفر) حقًا. كنا نحن الواقفين على حافة المذبحة، شهدنا وفاة مينا دانيال، والحسيني أبو ضيف، وعجزنا عن حمايتهم، كما عجزنا عن حماية أنفسنا من اليأس، أحداث رئاسة الوزراء، محمد محمود ، مسيرات، وإصابات، واحتجاجات أمام نقابة الصحافيين، كان كل مشهد فيها يضيف دماءًا جديدة إلى الدماء، لم يعد معها اليأس خيانة، كل أصدقائي تفرقوا بعد تلك الأحداث بقليل، تحديدًا 30 يونيو، بعضهم سافر خارج البلاد، واستقر، والبعض الآخر مازال يبحث عن فرصة للهرب، والجميع زاهدون.

بالأمس كانت قصائد أمل دنقل هي ما يشعل حماستنا: «لا تصالح وإن قيل رأس برأسٍ.. أكلُّ الرؤوس سواء؟» لكنه في النهاية كتب أيضًا كلمات سبارتكوس الأخيرة: «لا تحلموا بعالم سعيد، فخلف كل قيصر يموت، قيصر جديد، وخلف كل ثائر يموت، أحزان بلا جدوى، ودمعة سدى!»، وأنهى قصيدته بدعوة لأن نعلم طفله الانحناء.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات