أشياء كثيرة كانت على وشك الانتهاء في قاهرة المعز: فصل الصيف يطوي صفحاته الأخيرة وشهر رجب الهجري وسبتمبر (أيلول) الميلادي لم يتبق لهما سوى يومين على الانتهاء، والأشجار على ضفاف نهر النيل تتخلص من أوراقها الخضراء، وقبل أن يسدل الليل ستاره يوم 28 سبتمبر 1971 يظهر السيد محمد أنور السادات  نائب الرئيس عبد الناصر يعلن انتهاء الحقبة الناصرية بوفاة مؤسسها عبدالناصر.

مات الأب، هكذا كانت تصرخ الجماهير التي هامت في الشوارع وخرجت بعفوائية ولا أحد أرغمها على الخروج مثلما يدعي البعض، فلا قوة أو سلطة يمكن أن ترغم هذا العدد الهائل من ملايين المصريين التي ملأت كل شبر في القاهرة، بل تسلقوا الأشجار والمباني وعرضّوا أنفسهم للمخاطر عندما تسلقوا أعمدة الكهرباء، ليلقوا النظرة الأخيرة على والدهم وأسطورتهم وزعيمهم، لم تكن القاهرة التي فقدت 45 من سكانها بسبب الازدحام والتدافع هي المدينة الوحيدة، بل هناك مدن أخرى في معظم الدول العربية خرج سكانها حزنًا على عبد الناصر، ففي بيروت خرج آلاف اللبنانيين وتوفي حوالي 20 مواطنًا لبنانيًّا وفي فلسطين خرج 75 ألف فلسطيني، يهتفون بحياة الزعيم عبدالناصر حتى في موسكو طاف الطلاب العرب شوارع موسكو وفي معظم المدن الأوروبية نظم الطلاب العرب مسيرات حزنًا على عبد الناصر. حتى بعض الزعماء العرب لم يقدروا على السيطرة على مشاعرهم، فحسب مراسل النيويورك تايمز ومراسل هيئة الإذاعة البريطانية تعالت أصوات بكاء بعض الزعماء مثل الملك حسين ملك الأردن وجعفر نميري وياسر عرفات، أما العقيد معمر القذافي فلم يستطع أن يتحمل موت معلمه وفقد وعيه.

عندما حضر مراسل الواشنطون بوست جنازة الرئيس السادات كتب تقرير يقارن هذه الجنازة مع جنازة الزعيم عبدالناصر، وكان مندهشًا من عدم وجود مشاعر الحزن بين المصريين على السادات على الرغم من أن السادات هو من انتصر في حرب 73، وهو من استرد سيناء وعلى الرغم من الألقاب التي أطلقها السادات على نفسه مثل الرئيس المؤمن وكبير العائلة المصرية، وأطلق على جنازة السادات «الجنازة الصامتة»، ومع ذلك لا يوجد مجال للمقارنة بين جنازة الزعيمين سواء على المستوى الرسمي أو الجماهيري، جنازة عبد الناصر كانت جنازة شعبية وجماهيرية بمعنى الكلمة لدرجة أن القوات التي كانت تحرس الجنازة فشلت في صد الجماهير في الاقتراب من نعش عبد الناصر.

هناك أشياء تستحق التأمل في موت هذا الرجل، كان من المفترض على من تم اعتقالهم وتعذيبهم خلال عصر عبد الناصر أو من تم منعهم من الكتابة أو مصادرة كتاباتهم أن يكونوا سعداء بموته، ومع ذلك فمعظم من عانوا من الاعتقال أو المطاردة أيام عبدالناصر قد شعروا بالحزن عليه وكتبوا عنه القصائد والمقالات: فعبد الرحمن الأبنودي وأحمد فؤاد نجم وصلاح عبدالصبور وحجازي وغيرهم، كتبوا قصائد رثاء بعد وفاته على الرغم من معاناتهم أثناء حياته، ونزار قباني الذي تم منعه من دخول مصر ومنع نشر قصائده أبدع في رثائه قائلا «قتلناك يا آخر الأنبياء –   قــــــتلنــــــــاك.. يا جــــــبــــــلَ الــــكبــــــريـــــــــاء وآخـــــرَ قــنديلِ زيت  يـــــــضــــــــيءُ لــــــنـــــــــا، في لــــــيـــــــالي الـــــشتــــــاء».  أما الشيخ الشعراوي الذي ينتمي إلى التيار الإسلامي ونهل من كتابات الإخوان فقد رثى عبدالناصر بعد وفاته قائلاً «قد مات جمال وليس بعجيب أن يموت، فالناس كلهم يموتون، لكن العجيب وهو ميت أن يعيش معنا – وقليل من الأحياء يعيشون وخير الموت ألا يغيب المفقود وشر الحياة الموت في مقبرة الوجود». من المؤكد أن هؤلاء وثقوا في فكر عبدالناصر وفي صدق مسعاه ونبل رسالته وحرصه على مصالح مصر والعرب، على الرغم من أخطائه وأخطاء المحيطين به.

ربما يعتقد القارئ إنني أنتمي للفترة الناصرية أو إنني ناصري، ولكني تأثرت أولًا بحكايات الآباء والأجداد عن هذه الفترة، وبكتابات المحايدين ثم الأهم بدراستي لهذه الفترة التي كانت فيها مصر رائدة في كل المجالات وقوة مصر الناعمة، وتفوقها ليس فقط على جيرانها ولكن على المستوى الإقليمي والعالمي، ولست في هذا الصدد أتحدث عن إنجازات عبد الناصر ولكن فقط عن جنازة عبدالناصر، وليس بضرر أن أُذّكر من تأثروا بقصص البعض أو قرؤوا قصاصة من هنا أو هناك أن عصر عبدالناصر هو عصر ازدهار الرواية والمسرح والسينما والأدب والفن بوجه عام، هو عصر انطلاق إذاعة القرآن الكريم وانطلاق بعثات الأزهر شرقًا وغربًا يطوفون العالم وعصر المنشاوي ومصطفى إسماعيل وغلوش وشعيشع وعبد الباسط والطبلاوي والبنا، وتواجدهم  في معظم دول العالم.

هو عصر ازدهار الصناعة المصرية التي كانت تصدر لحوالي 35 دولة أفريقية وآسيوية. وإذا أردت أن تحكم وتحلل الفترة الناصرية، فيجب أن يتم ذلك من خلال سياق عصر عبد الناصر، حيث الاستعمار وحركات التحرر منه وعصر الفترة المكارثية في أمريكا وعصر جيفارا وعدم الانحياز وعصر غرس دولة يهودية في وسط عالمنا العربي، وعصر تحول مصر من الملكية إلى الجمهورية.

مات عبد الناصر وأصبحنا نسمع «السح امبح امبو» ونشاهد خلي بالك من زوزو حتى وصلنا لحبيشة وأوكا وبوس الواوا.

مات عبد الناصر وفي اليوم الثاني لجنازتة كتبت التايمز البريطانية على صدر صفحاتها «أكبر تجمع بشري يشهده التاريخ».

مات عبدالناصر ولو جاء عبدالناصر الآن ورشح نفسه، لكنت أول ما أعارضه وأرفض إعطاء صوتي له، فهذا ليس عصر عبد الناصر وليس عصر الجنرالات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ

المصادر

نيويورك تايمز 30 سبتمبر 1971
الواشطنون بوست11 أكتوبر 1981
هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي العالمية
التايمز البريطانية
عرض التعليقات
تحميل المزيد